المتغيرات الأخلاقية وتحديات الهوية الوطنية

إن ما يشهده المجتمع من متغيرات متسارعة قد مسّ العمق العُماني والهوية الوطنية في جوهرها، وألقى بتأثيره المباشر على منظومة الأخلاق والقيم والمبادئ، بل تجاوز ذلك ليصطدم بتعاليم الدين الإسلامي ويُؤثر على الأعراف المجتمعية الراسخة، وقد جاءت هذه التحولات لتُهدد ذلك الكيان المجتمعي المتماسك الذي تشكّل عبر عقود طويلة من التراكم القيمي والوجداني.

ولعل الأخطر من ذلك أن أثر هذه المتغيرات بات يمس الشخصية العُمانية ذاتها، تلك التي عُرفت تاريخيًا بالحكمة، ورجاحة العقل، والتمسك بالمبادئ، انطلاقًا من منظومة متكاملة للهوية الوطنية، وما وصل إليه حال المجتمع لم يكن وليد اللحظة، بل كان موضوعًا لنقاشات مطولة، وجلسات حوارية، ومقالات إعلامية، ودراسات تربوية واجتماعية، خلصت جميعها إلى قناعة راسخة بأن ما يحدث اليوم هو نتاج لعوامل داخلية قبل أن يكون نتيجة لتأثيرات خارجية.

وتكمن خطورة المرحلة في أن التأثير الداخلي بات يُعمّق حجم الإشكالية، ويُسهم في إعادة إنتاجها، بما يمنح دلالة واضحة على أننا نمر بمرحلة دقيقة قد يصعب التراجع عنها، حيث أصبح الانصهار في بعض القيم الغربية السلبية أكثر وضوحًا وحضورًا في المشهد المجتمعي، مما يدق ناقوس الخطر.

تُعدّ أخطر الأزمات التي تهدد الدول ووحدتها واستمراريتها تلك التي تمسّ منظومة الأخلاق، وبنية الأسرة، والهوية الوطنية، والكيان المجتمعي بأكمله؛ إذ إن استهداف هذه المكونات أو تعريضها للتأثير المباشر ينعكس مستقبلاً على قوة الدولة ومدى تماسك المجتمع واستقراره، ولم يكن ما نشهده اليوم نتاج مرحلة زمنية قصيرة، بل جاء نتيجة مسار تراكمي مرّ بمراحل متعددة، بدأت بتأثيرات داخلية متداخلة، تزامنت مع تحولات عالمية متسارعة وضغوط خارجية متزايدة. وبين هذا وذاك، برز دور بعض الشخصيات والقدوات التي يتأثر بها الشباب، وأسهمت – بقصد أو دون قصد – في تغذية هذه التحولات، وقد تفاعلت هذه العوامل مجتمعة لتطال الشباب العُماني بصورة مباشرة، وتُحدث أثرًا عميقًا في البنية الوطنية، بما أدى إلى إضعاف منظومة القيم، ودفع الهوية الوطنية نحو تراجع سلبي يفرض وقفة جادة وإعادة نظر شاملة.

عندما نُعيد النظر ونتأمل طبيعة المخاطر التي يُراد لها أن تؤثر في المجتمع بصورة غير مباشرة، ندرك أن المسألة لا تقتصر على التحولات العالمية وحدها، بل تتجاوزها إلى ما وقع داخليًا وكان له الأثر الأعمق في منظومة القيم المجتمعية، لأن الحقيقة هي ما ينبغي أن تُقال لمعرفة ما الذي جرى في الداخل على وجه الدقة. ويظل السؤال الجوهري قائمًا: هل كان لبعض هذه النماذج والممارسات تأثير غير مباشر في الهوية الوطنية بمختلف مكوناتها ومضامينها؟ أم أن ما يُتداول لا يعدو كونه افتراضات تفتقر إلى السند الواقعي؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل لا تتحقق إلا عبر قراءة موضوعية ودقيقة، تُفرّق بين النقد المسؤول والتأويل غير المؤسس، وتضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

في الفضاء الرقمي، يتحول بعض المشاهير إلى أدوات لإعادة تشكيل القيم، فيُقدِّم أحدهم زوجته كوسيلة لجذب المتابعين، مستعرضًا مفاتن جسدها بلا خجل، طمعًا في أرقام تتجاوز الحدود الجغرافية، ولو كان الثمن تسليع الخصوصية وهدم القيم الأسرية، وفي مشهد آخر، تُوثَّق مشاركة زوجين في حفلة غنائية تتراقص فيها المرأة أمام الرجال، بينما يقف الزوج لالتقاط الصورة التذكارية متباهياً بالمشهد، وكأن اختلال المعايير أصبح مصدر فخر لا موضع مساءلة، إذ يربط القرآن الكريم بين الانفلات القيمي وسقوط المجتمعات حين تتحول الفئة المؤثرة إلى أداة فساد، ويقول الله سبحانه وتعالى “﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾.

وفي موقف آخر  يقف أستاذ في قاعة المحاضرات، لا ليبني اليقين أو يفتح باب التفكير المنهجي الرشيد، بل ليطرح تساؤلات تمس وجودية الله دون إطار علمي أو منهج نقدي مسؤول، ثم يترك أسئلة معلّقة في عقول الطلبة وينهي محاضرته، وكأن زعزعة الثوابت شأنٌ عابر لا تبعات له، وأستاذة أخرى تناقش الأدلة القرآنية المتعلقة بالحجاب، لا بقصد الفهم والتأصيل، بل لتتساءل مع طالباتها عن جدوى الحجاب، وعن علاقته بالحرية، في طرحٍ يُفرغ النص الديني من مقاصده ويزرع الشك في نفوس الناشئة، ويأتي هذا المشهد على النقيض تمامًا من الدور القيمي والمعرفي الذي حمّلته الرسالة الإسلامية لأهل العلم، ويقول الله سبحانه وتعالى “﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.

وفي السياق ذاته، يخرج كاتب ليدعو صراحة إلى “تعري الفكر” عند المرأة، تحت شعار كسر المألوف والتحرر، في خطاب يخلط بين التجديد والانفلات، ويُقدّم التمرد على القيم باعتباره شجاعة فكرية، وتُطرح روايات مليئة بالإيحاءات الجنسية في متناول الشباب، بأسعار زهيدة وبلا أي رقابة فكرية أو تربوية، وكأن المطلوب هو تطبيع هذا الخطاب وتحويله إلى مادة استهلاكية يومية.

ويتلقى طلبة المعرفة بلغة أجنبية تُقدَّم بوصفها أداة تقدم وحداثة، دون أي جهد لربطها بلغتهم العربية أو ترسيخ المعنى في سياقه الثقافي، فيُفصل المفهوم عن جذره اللغوي والهوية، وتُعلّق على هامش الطريق صور ورسائل إعلانية تضرب الذائقة العامة وتتناقض مع رمزية الهوية الوطنية، دون أدنى اعتبار لأثرها التراكمي في الوعي الجمعي.

بين العتبات الرقمية وداخل شبكات التواصل الاجتماعي، تتسلل جماعات مضلِّلة تحت لافتات براقة من قبيل “حرية المرأة” و”حقوقها”، لتعيد تفكيك العلاقة الأسرية بين المرأة والرجل، لا من منطلق الإصلاح أو الإنصاف، بل عبر إثارة أسئلة مُحمَّلة بالتشكيك والتمرد المقصود، وتُطرح تساؤلات: لماذا تطيع الزوجة زوجها؟ ولماذا تقوم بخدمته؟ ولماذا يُصوَّر الرجل بوصفه مانحًا للأذن في حريتها؟ ولماذا الالتزام بالحمل والرضاعة؟

ولا تتوقف هذه الخطابات عند حدود السؤال، بل تتجاوزها إلى الدعوة الصريحة للانسلاخ من المحددات الدينية والقيم المجتمعية، تحت شعار العيش في “فضاء الحرية المطلقة”، حيث يُدفع بالمرأة إلى ممارسة كل ما تشاء دون ضوابط، ويُقدَّم التحرر بوصفه قطيعة مع الأسرة والدين والهوية، ويُعاد توجيه الخطاب نحو شعارات منمّقة: “انطلقي في الإبداع”، “نافسي الرجال”، “احصلي على حقوقك كاملة”، في مقابل تصوير القيم الدينية والأسرية باعتبارها قيودًا تُكبّل المستقبل وتُؤثر على حرية المرأة وحقوقها.

غير أن هذه الطروحات، في حقيقتها، ليست مشروع تمكين بقدر ما هي إرهاصات فكرية تهدف إلى النيل من مكانة المرأة وهيبتها، عبر تفريغها من دورها الإنساني والأسري، وتحويلها من شريك في البناء إلى أداة صراع، ومن قيمة اجتماعية إلى سلعة رمزية تُستثمر في الأسواق الفكرية والإعلامية، وهي خطابات لا تُنصف المرأة، بقدر ما تعيد إنتاج هشاشتها، وتُسهم في تفكيك الأسرة، وإرباك منظومة القيم، وضرب التوازن الذي شكّل عبر التاريخ أساس الاستقرار المجتمعي.

هذه الأمثلة، وغيرها كثير، لا يمكن التعامل معها بوصفها حالات فردية أو ممارسات معزولة، بل هي مؤشرات خطيرة على خلل داخلي عميق، يُعيد تشكيل الوعي المجتمعي، ويُضعف منظومة القيم، ويدفع الهوية الوطنية نحو تراجع مخيف، ما لم تُواجَه بموقف ثقافي وتربوي وإعلامي واضح، يعيد الاعتبار للثوابت، ويضع حدودًا فاصلة بين الحرية والمسؤولية، وبين التجديد والتفريط.

إن جوهر الإشكالية لا يكمن في مبدأ الحرية ذاته، بقدر ما يتمثل في فصلها المتعمد عن مفهوم المسؤولية، وتحويلها من قيمة إنسانية راشدة إلى أداة هدم قيمي وأخلاقي، ففي زمن يُراد فيه للمجتمعات المتمسكة بهويتها أن تُجرَّد من مرجعياتها، يُعاد تسويق الحرية بوصفها تحررًا مطلقًا من الدين، وتجاوزًا للأعراف، وتمرداً على الضوابط المجتمعية، حتى يصبح الانفلات الأخلاقي عنوانًا للتقدم، ويُقدَّم الإنهيار القيمي على أنه وعي جديد، وبذلك تُستهدف الأسرة، وتُشوَّه القدوة، وتُهدم العلاقة بين الرجل والمرأة، وتُضرب الثوابت الثقافية باسم الإبداع والتحديث، في حين أن الحرية الحقيقية لا تُبنى على اضعاف الهوية، ولا تُمارس خارج إطار القيم، ولا تستقيم دون مسؤولية تحفظ كرامة الإنسان وتوازن المجتمع.

في ظل هذه المتغيرات، جاء الاهتمام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – بالشأن الاجتماعي والقيمي، إدراكًا منه لما تمثله التحولات المتسارعة في منظومة القيم والهوية الوطنية من تحديات مباشرة تمس تماسك المجتمع وقوة الدولة، ومن هذا المنطلق، أكّد جلالته على الدور المحوري للأسرة في تربية الأبناء وبناء الشخصية الوطنية المتوازنة، بوصفها خط الدفاع الأول في حماية القيم وصيانة الهوية وتعزيز الانتماء والمسؤولية، انطلاقًا من رؤية تؤمن بأن التنمية المستدامة لا تتحقق إلا ببناء الإنسان قبل أي مسار تنموي آخر.

وامتدادًا لهذا الاهتمام، وجه جلالته مجلس الوزراء بدراسة وتحليل المتغيرات السلوكية في المجتمع، وما أفرزته بعض الظواهر السلبية، لا سيما بين فئات الشباب، بهدف وضع سياسات واضحة تعالج الجذور، وتعزز القيم والسلوكيات الإيجابية، وتحدّ من التأثيرات السلبية للتحولات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بما يضمن صيانة الهوية الوطنية وتماسك المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *