قواعد الزمن

منذ أن وُجد الإنسان على سطح الأرض، وُلدت معه نوازع الطمع والجشع وحب الذات، والرغبة في التملك والهيمنة والسلطة، وهي خصائص قد تدفعه إلى امتلاك القوة أو النفوذ، وإلى البطش بالآخرين، متجاوزًا الحقوق والعدالة والقيم الإنسانية، وهذه التجاوزات ليست إلا انعكاسًا لذلك الجانب المظلم في النفس البشرية، لذا، لا غرابة أن نجد من يتعبد في المساجد، ثم يخرج في اليوم التالي ليظلم هذا ويبطش بهذا، إشباعًا لرغباته الداخلية وعجزًا عن كبح أهوائه.
ولعل أول شاهد على ذلك قصة قابيل وهابيل؛ فلم يكن قتل قابيل لأخيه إلا نتيجة استسلامه للحسد والطمع والاستبداد، ورغم مرور آلاف السنين على تلك الحادثة، فإنها ما زالت تتكرر بصور مختلفة في حياة المجتمعات البشرية، وليس في ذلك نظرة سوداوية إلى الحياة، بقدر ما هو إقرار بحقيقة الجانب المظلم في الإنسان إذا لم يضبطه الدين والأخلاق والضمير.
فالزمن قد يمحو الوجوه، ويطوي المناصب، ويُسقط الألقاب، لكنه لا يمحو العدالة إذا أقيمت، ولا الظلم إذا ارتكب، وكلما تقدم الإنسان بالعمر، تتضاءل معه ما جمعه من أعمال، وتعاظمت معه ما قام به من خير أو شر، وهذه هي أعظم قواعد الزمن؛ أن كل شيء يرحل إلا العمل، وكل شيء يُنسى إلا الأثر، وكل حساب يمكن الفرار منه إلا الحساب بين يدي الله.
يومًا ما ستكبر، وستجلس وحيدًا تستعرض شريط حياتك بكل تفاصيله. ستتذكر ما صنعت بيديك، وكيف خضت معارك الدنيا، ومن أنصفت ومن ظلمت، ومن جبرت خاطره ومن كسرت قلبه، ومن فتحت له بابًا للخير، ومن أغلقت في وجهه أبواب الرزق، ومن قلت فيه ما ليس فيه؟
ستمضي الأعوام سريعًا، ويتحول كل ما عشته إلى صفحات من الماضي، لكن أعمالك لن تمضي؛ فهي وحدها التي ستبقى شاهدة عليك، فإن كانت قائمة على العدل والرحمة والإنصاف، كانت لك نورًا يمتد أثره في الدنيا، ورصيدًا ينفعك يوم تلقى ربك، أما إن كانت قائمة على الظلم والاستبداد والتجبر، فستظل تلاحقك، وتوقظ ضميرك كلما حاولت الهروب منها، وتذكرك بأن دعوة مظلوم صعدت إلى السماء، وليس بينها وبين الله حجاب، وأن حق العباد لا يسقط بالنسيان، ولا يلغيه مرور الزمن.
في خضم صراعات الحياة، اسأل نفسك: إلى أين يتجه مسارك؟ ماذا تريد من هذه الدنيا؟ أهي زينتها الزائلة، أم الأثر الطيب الذي يبقى بعدك؟
إنها سنوات تمضي بسرعة، حتى تجد نفسك وقد انتهت رحلة العمل، وجلست في بيتك تتأمل ما مضى، عندها لن ينفعك منصب، ولا جاه، ولا مال…..! وستغادر الدنيا كما جاء إليها كل من سبقك، لا تحمل معك إلا عملك، حتى الكفن الذي تُلف فيه قد يكون هدية من غيرك، ثم يُهال التراب على جسدك، وينصرف الناس، ولا يبقى معك إلا ما قدمته من خير أو شر.
فاسأل نفسك منذ الآن: ماذا أعددت لذلك اليوم؟ وماذا سيبقى منك بعد أن يرحل الجميع؟
ماذا لو كان هناك إنسان رفع يديه إلى السماء وقال: “اللهم إني أجعله خصمي بين يديك، ولن أسامحه على ما فعل بي.” ماذا سيكون موقفك حينها؟
قد تمر السنوات، وقد يظن الظالم أن الناس نسيت، لكن المظالم لا تُنسى، والحقوق لا تسقط بالتقادم، تبقى عالقة في صحائف الأعمال، شاهدة على صاحبها حتى يقف بين يدي الله.
اسأل نفسك: ماذا قدمت في حياتك؟ هل كنت عادلًا منصفًا، أم لبست ثوب العدل وأنت تمارس الظلم؟ هل كنت صادقًا، أم أتقنت الكذب والنفاق حتى خدعت الناس بحسن المظهر؟
كم إنسانٍ استغللته لتصعد على أكتافه، وكم حقًا سلبته، وكم قلبًا كسرته، وكم كلمة جارحة قلتها فتركت أثرًا لا يمحوه الزمن.
إلى أين تمضي بك الدنيا؟ وهل تظن أن حقوق العباد تُمحى بكثرة الصلاة، أو الصيام، أو العمرة، أو الصدقة، بينما أصحاب المظالم لا يزالون يتألمون بسببك؟ إن حقوق الناس لا يعوضها إلا ردها إلى أهلها أو عفوهم عنك، أما العبادات فلا تبرئ ذمة من ظلم العباد.
تذكر أن هناك من يرفع يديه في جوف الليل، يدعو عليك بحرقة، ويتمنى أن يرى عدل الله فيك قبل أن يرحل من هذه الدنيا.
فراجع نفسك قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه منصب، ولا جاه، ولا مال، ولا يبقى لك إلا عملك، وما قدمته من عدل أو ظلم، ومن إحسان أو إساءة.
إن أعظم قواعد الزمن ليست أنه يمضي، بل أن يكشف حقيقة الإنسان حين تزول الأقنعة، وتنتهي المناصب، ولا يبقى إلا العمل، فكل ظلم ظن صاحبه أنه نُسي، سيعود يومًا شاهدًا عليه، وكل معروف خفي عن أعين الناس سيجده بين يدي الله، بين هذا المسارين يقف الإنسان كل يوم أمام خياراته، إما أن يبني لنفسه أثرًا طيبًا يذكره الناس به، أو يخلف وراءه مظالم تلاحقه في الدنيا والأخرة.
لا تجعل الزمن شاهدًا عليك، بل اجعله شاهدًا لك؛ وردّ المظالم إلى أهلها قبل أن تُرد الحقوق من حسناتك، وأصلح ما استطعت إصلاحه قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه اعتذار، ولا تُقبل فيه حجة، ولا يبقى للإنسان إلا ميزان أعماله، فالدنيا مهما طالت قصيرة، أما الأثر فإما أن يكون رحمة تُذكر بها، أو لعنة تلاحقك بعد رحيلك. تلك هي قواعد الزمن… لا تحابي أحدًا، ولا تستثني أحدًا.




