المفارقة المهنيّة بين الأكاديمي والمشرف التربوي في ضوء رؤية “عُمان 2040”

تُشكل العلاقة التكاملية بين المعرفة النظرية والممارسة الميدانية حجر الزاوية في استدامة جودة المنظومات التعليمية وتطوير العنصر البشري؛ غير أن النظر في الواقع المؤسسي للتعليم يكشف عن مفارقة مهنية وهيكلية حادة بين دور الأكاديمي الجامعي ودور المشرف التربوي. ينصب تركيز الأكاديمي في المؤسسات الجامعية على تفكيك النظريات وتدريسها لطلبة البكالوريوس والدراسات العليا، بينما يقع على عاتق المشرف التربوي العبء الأكبر في ملازمة هذا الخريج لاحقاً، والتأطير التطبيقي لمهاراته الميدانية. وتزداد هذه المفارقة عمقاً عندما ننتقل إلى سياق التطوير المهني للمعلمين ذوي الخبرة الطويلة؛ إذ يتجاوز دور المشرف حدود التوجيه التقليدي ليصبح ممارسة سياقية تُعنى بتحويل أطُر النظريات المجردة إلى تطبيقات واقعية، وإعادة إنتاج المعرفة المحلية التي تتلاءم مع الخصوصية الثقافية والوطنية (Darling-Hammond et al., 2017). إن هذا الدور المزدوج يتطلب قدرات تحليلية وتطبيقية لا تقل أهمية عن الأدوار البحثية المتعارف عليها في الأوساط الأكاديمية.

تتجسد الفجوة الهيكلية في طبيعة الحوافز وسلالم الترقي المهني بين الطرفين؛ فبينما يتمتع الأكاديمي بمسار ترقية علمي واضح ومُقنن يستند إلى ثلاثة أركان رئيسة هي: التدريس الفعال، والنشر العلمي، والخدمة المجتمعية، يُعامل المشرف التربوي وفق سلالم وظيفية نمطية ثابتة تُساويه بغيره ممن لا يمارسون ذات الأدوار المركبة، بغض النظر عن حجم إنتاجه المعرفي الميداني أو جهوده البحثية في تطوير الممارسات الصفية (Schön, 1983). إن هذا التباين يخلق حالة من عدم التكافؤ المهني، حيث تُكافأ الممارسة النظرية بالترقية والتدرج الأكاديمي والتقدير المجتمعي، بينما تُهمل الممارسة التطبيقية التحويلية وتُجرّد من قيمتها الاعتبارية، مما يُقلل من دافعية المشرفين ويُضعف بيئة الابتكار الميداني.
ولفهم هذه المفارقة بعمق، يُشير النموذج النظري للمعرفة التربوية البيداغوجية بالمحتوى الذي طوره شولمان (Shulman, 1987) إلى أن المعلم لا يحتاج فقط إلى معرفة المحتوى والنظرية، بل إلى كيفية تحويل هذه المعرفة إلى صيغ قابلة للتعلم والتشكيل داخل الصف. وهنا يبرز المشرف التربوي كمهندس معرفي يمتلك ما يسميه شون (Schön, 1983) “التفكر أثناء العمل” و”التفكر بعد العمل”. فالمشرف لا يكتفي بنقل النظريات الغربية أو الأطر المجردة، بل يقوم بعملية إعادة إنتاج للمعرفة لتتناسب مع الواقع البيئي والاجتماعي للغرفة الصفية. ورغم هذا الدور التحويلي المعقد الذي يتطلب مهارات بحثية وإشرافية متقدمة، فإن الأنظمة الوظيفية التقليدية تتعامل مع المشرف التربوي كعنصر إداري وتنفيذي لا كباحث ممارس، مما يحرمه من فرص التطور الوظيفي المكافئ لما يحصله نظيره الأكاديمي في المؤسسات الجامعية.
وعند إسقاط هذه المفارقة على الواقع التعليمي في سلطنة عمان، نجد أنها تشكل تحدياً جوهرياً يتصل مباشرة بمستهدفات محاور رؤية “عُمان 2040″، وتحديداً أولوية “التعليم والتعلم والبحث العلمي والقدرات الوطنية”. تهدف الرؤية إلى بناء نظام تعليمي يتسم بالجودة العالية والمؤشرات العالمية، قائم على الشراكة والابتكار وإنتاج المعرفة الوطنية (وزارة الاقتصاد، 2020). إلا أن الواقع الميداني يُظهر أن المشرف التربوي في وزارة التعليم يُعاني من الجمود الوظيفي؛ إذ تنتهي ترقياته عند درجات مالية وإدارية محدودة لا ترتبط بمقدار إنتاجه البحثي أو تطويره للمناهج والممارسات الصفية، بينما يحصل الأكاديمي في المؤسسات الجامعية الأخرى على ألقاب أكاديمية وترقيات استناداً إلى أبحاث قد تكون في كثير من الأحيان معزولة عن التحديات الفعلية الميدانية.
إن تمكين المشرف التربوي في سلطنة عمان من إنتاج المعرفة التربوية المحلية يُعد شرطاً أساسياً لتحقيق التنافسية التعليمية التي تنشدها رؤية 2040. يعتمد التطوير المدرسي المستدام في السلطنة على تحويل المدارس إلى مجتمعات تعلم مهنية، وهو مفهوم أثبتت الدراسات الدولية (Fullan, 2016) أنه لا يمكن أن يزدهر دون قيادة إشرافية تتمتع بالاستقلالية والتقدير الأكاديمي. إن مساواة المشرف التربوي الذي يبذل جهوداً مضاعفة في إعداد الأبحاث الإجرائية وتدريب المعلمين بمشرف آخر نتيجة غياب مسار ترقية مبني على الإنتاجية المعرفية، يُضعف الدافعية المهنية ويؤدي إلى هدر الخبرات الوطنية التراكمية.
ختاماً، يتطلب استحقاق رؤية “عُمان 2040” إعادة هيكلة الرؤية المؤسسية لدور المشرف التربوي، عبر إيجاد مسار تطوير مهني وأكاديمي موازٍ للمسارات الجامعية. إذ ينبغي الاعتراف بالإشراف التربوي كحقل بحثي تطبيقي يُكافأ فيه الممارس بناءً على إنتاجه العلمي والميداني، بما يضمن ردم الفجوة بين نظريات البرج العاجي الأكاديمي وواقع الممارسة الصفية، وتحقيق العدالة المهنية بين صناع النظرية ومطبقيها في المنظومة التعليمية العمانية.
المراجع

  1. وزارة الاقتصاد. (2020). وثيقة رؤية عُمان 2040. مسقط، سلطنة عمان.
  2. Darling-Hammond, L., Hyler, M. E., & Gardner, M. (2017). Effective teacher professional development. Palo Alto, CA: Learning Policy Institute.
  3. Fullan, M. (2016). The new meaning of educational change (5th ed.). New York: Teachers College Press.
  4. Schön, D. A. (1983). The reflective practitioner: How professionals think in action. New York: Basic Books.
  5. Shulman, L. S. (1987). Knowledge and teaching: Foundations of the new reform. Harvard Educational Review, 57(1), 1–23.

د. خالد الشيدي

كاتب بمجلة إشراق العمانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *