السلطان في لندن

منذ مارس 1982 عندما استضافت الملكة الراحلة إليزابيث الثانية السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- لم تجرِ زيارة دولة رسمية من سلطنة عمان للمملكة المتحدة.

وتُعد زيارة دولة أعلى وأرقى مستويات الزيارات الدبلوماسية الرسمية في أصول البروتوكول والسياسة الدولية، وتختلف عن الزيارات الرسمية العادية أو زيارات العمل؛ ​إذ تتميز بدلالاتها السياسية والتاريخية العميقة.

وتتلخص معانيها في أنها أعلى أشكال الاحتفاء الدبلوماسي، فهي ​دعوة شخصية من رئيس الدولة، ولا تُعقد زيارة الدولة إلا بدعوة رسمية موجهة مباشرة من رأس الدولة المُستضيفة إلى رأس الدولة الزائرة. وفيما يتعلق ​بمستوى التمثيل، فهي تعبر عن أعلى درجات التقدير والاحترام بين البلدين، ولا تتكرر عادةً لنفس القائد في نفس الدولة إلا في حالات نادرة جداً.

​كما ​ترافق زيارة الدولة إجراءات تشريفية صارمة وعالية المستوى تعكس عظمة المناسبة، من أبرزها ​الاستقبال الرسمي، ومأدبة الدولة الرسمية، و​الإقامة الرسمية، إذ يُستضاف القائد الزائر في القصر الملكي أو مقر الإقامة الرئاسي الرسمي للدولة المُستضيفة. ​وتحمل زيارات الدولة أبعاد ودلالات سياسية واستراتيجية، كالتباحث حول الملفات الكبرى، والأزمات الإقليمية والدولية، وتوقيع الاتفاقيات الاستراتيجية طويلة الأمد.

ومن هذا المنطلق، فإن زيارة الدولة التي يجربها السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان إلى المملكة المتحدة، تلبيةً لدعوة رسمية من جلالة الملك تشارلز الثالث ملك بريطانيا، جاءت لتعكس عمق العلاقات التاريخية والراسخة بين البلدين.

ولكن لماذا جاءت هذه الزيارة رفيعة المستوى في هذا التوقيت تحديدًا؟

تأتي هذه الزيارة التي بدأت رسمياً يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 ضمن سياق حرج وخطير تمر به المنطقة، وتتضافر فيه عوامل سياسية وأمنية واقتصادية. ويمكن إيجاز منطلقات هذه الزيارة في:

أولًا: مكانة سلطنة عمان الموثوقة كوسيط عُرف بالدعوة الدائمة للسلام وتجنب كل أسباب التصعيد الأمني، وعلى رأسها الوساطة العمانية في الملف الأمريكي الإيراني.

ثانيًا: اشتعال وتيرة وحدة النزاعات في المنطقة وزيادة عدد بؤر الصراع ومستوى التهديد العسكري فيها، مما ينذر باتساع رقعة النزاع وعدد الأطراف المتورطة فيه، ما ينجم عنه تداعيات خطيرة على المنطقة على وجه الخصوص، مع اتساع رقعة التأثير إلى المستوى الدولي لتشابك ملفات الأمن والاقتصاد. إذ تشكل هذه الزيارة فرصة لتفعيل قنوات الدبلوماسية الهادئة عبر المشاورات عالية المستوى.

ثالثًا: إن التوترات العسكرية الراهنة تمس مباشرة أمن خطوط الملاحة والتجارة العالمية وممرات النفط الحيوية، مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر. الأمر الذي يهدد حركة الاقتصاد العالمي وقد يؤدي للشلل التام. كما تتقاطع المصالح العمانية_ البريطانية تاريخيًا واستراتيجيًا في ضمان حرية الملاحة واستقرار أسواق الطاقة العالمية.

رابعًا: ​في ظل الظروف الجيوسياسية المتقلبة، يسعى الطرفان لدعم الاستقرار الاقتصادي في البلدين، من خلال تسريع مشاورات الشراكة الاستثمارية في مجالات الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، والتعاون الدفاعي الاستراتيجي، كعنصر وقاية لاقتصادات البلدين من الصدمات الناجمة عن النزاعات العسكرية. ويمكن الاستدلال في هذا الشأن بالتشكيل الوزاري رفيع المستوى للوفد المرافق للسلطان، وشمولية الملفات المطروحة للبحث بين الجانبين، والتي تتنوع بين الشؤون الدفاعية والأمنية، والدبلوماسية السياسية، والتنمية الاقتصادية والاستثمارية، والتعليم.

وهنا تتضح دلالة الموقف العُماني من الأزمات الإقليمية؛ ففي خضمّ ما تشهده المنطقة من تصاعد التوترات واتساع دائرة الصراع، تتمسك عُمان بنهجها الداعي إلى التعقل والحوار، انطلاقًا من إيمانها بأن التفاوض يظل الطريق الأجدى لتسوية الخلافات، وأن لغة الحوار أكثر قدرة على احتواء الأزمات من لغة السلاح.  غير أن هذا النهج قد يُقرأ أحيانًا من بعض أطراف النزاع بوصفه موقفًا لا ينسجم مع حساباتها، في حين أنه يعكس رؤية تقوم على تجنب التصعيد، وصون الاستقرار، وفتح المجال أمام الحلول السياسية.

وقد يصعب على البعض استيعاب أن تختار دولة بناء علاقاتها بعيدًا عن الخصومات، وأن تنأى بسياستها عن منطق الاستقطاب، وألا تجعل مكانتها مرهونة بحجم الصراعات التي تنخرط فيها، بل بما تسهم به في احتوائها، وما تتيحه من فرص للتفاهم، وما تساعد على حمايته من أرواح ومقدرات الوطن.  فالقوة لا تُقاس دائمًا بما تحققه المواجهة، بل قد تتجلى في القدرة على منعها، وفي الحكمة التي تُبقي أبواب الحوار مفتوحة حين تضيق سبل التفاهم.

تلك هي عُمان التي اختارت أن تجعل من السلام موقفًا، ومن الحياد نهجًا، ومن الدبلوماسية لغةً حين تدق أجراس الحرب، وتعلو هتافات القتل، وتضيق مساحات العقل، ويصبح الاصطفاف الأعمى شرطًا لإثبات الولاء.

لكن في زمن الحروب الرقمية، لم تعد الدول تُستهدف بالصواريخ وحدها؛ فقد تُستهدف بفيض من الحسابات، وبسلاسل من المنشورات المنسقة، وبحملات تشويه تسعى إلى صناعة صورة مشوهة عن مواقفها، وتأليب الرأي العام عليها، ودفعها إلى التخلي عن استقلال قرارها. وهو ما تواجهه سلطنة عمان حاليًا وواجهته من قبل، وفي كل مرة كانت عمان تخرج أكثر رسوخًا واستقلالية، لتثبت أنها الصديق الأكثر موثوقية وموضوعية وسط أتون الحرب المشتعل.

عُمان ليست مطالبة بأن تعتذر عن حكمتها، ولا بأن تتخلى عن استقلال قرارها كي تنال رضا الآخرين. وليس مطلوبًا منها أن تدخل كل صراع لتثبت أنها تقف مع السلام، كما لا ينبغي أن يُساء فهم حرصها على الحوار بوصفه تراجعًا عن مبادئها.

ومن هذا المنطلق، فإن زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق إلى لندن يمكن قراءتها في سياق أوسع من العلاقات الثنائية بين سلطنة عُمان والمملكة المتحدة؛ فهي تذكير بأهمية الشراكة مع دولة استطاعت أن تبني لنفسها مكانة تقوم على الاعتدال، واستقلال القرار، والقدرة على التواصل مع الأطراف المختلفة، حتى في أكثر اللحظات السياسية حساسية.

ولذلك، فإن ثمار هذه الزيارة ستؤتي أُكلها حتمًا على البلدين على وجه الخصوص وعلى المنطقة عمومًا.

حفظ الله عمان، الحاضرة في حسابات العالم، ووجهة الباحثين عن الاتزان في منطقة شديدة الاضطراب.

د. أمل الحرملي

كاتب صحفي في مجلة إشراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *