بعد 44 عامًا.. سلطان عُمان ضيف دولة في لندن

د.بدرية بنت محمد النبهاني

مديرة تحرير مجلة إشراق التربوية

تشكل زيارة الدولة التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- إلى المملكة المتحدة، والتي بدأت مساء التاسع عشر من أكتوبر 2026م، حدثا فارقا في السياسة الخارجية العُمانية، فهي أول زيارة دولة يقوم بها سلطان لعُمان إلى بريطانيا منذ مارس 1982م، حين استضافت الملكة إليزابيث الثانية السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- أي بعد فاصل زمني يقارب أربعة وأربعين عامًا. وهذا الفاصل وحده كاف ليجعل من الزيارة حدثًا يستحق القراءة المتأنية، لا بوصفها مناسبة بروتوكولية، بل بوصفها محطة في مسار علاقة تجاوزت قرنين من الزمن، وتتقاطع اليوم مع لحظة إقليمية بالغة الحساسية.

لا يمكن فهم دلالات هذه الزيارة بمعزل عن سياقها التاريخي. فعُمان الكيان السياسي الأعرق في منطقة الخليج شكلت نقطة ارتكاز للمصالح البريطانية في الخليج بعد تأسيسها شركة الهند الشرقية عام 1600م. فمنذ اتفاقية 1646م بين بريطانيا واليعاربة، انطلقت المرحلة الثانية بتوقيع معاهدة 1798م مع السيد سلطان بن أحمد بن سعيد لتؤطر لعلاقات سياسية ستمتد لقرون قادمة. جاءت هذه المعاهدة في ذروة التنافس الإنجليزي–الفرنسي على المحيط الهندي؛ إذ تشير الدراسات إلى أن السيد سلطان بن أحمد أحسن توظيف ذلك التنافس لمصلحة بلاده، قبل أن تدفع بريطانيا نحو معاهدة 1800م التي قلّصت الامتيازات الممنوحة للفرنسيين. وفي العام نفسه عيّنت بريطانيا وكيلًا سياسيًا لها في مسقط، وحملت المعاهدة عبارتها الشهيرة بأن تبقى الصداقة بين الدولتين ثابتة “حتى تنهي الشمس والقمر مسيرة دورانهما”.

تتابعت بعد ذلك المعاهدات المنظِّمة للعلاقة في عامي 1819م و1951م، وزار السلطان سعيد بن تيمور لندن في مارس 1938م لبحث تعديل معاهدة الصداقة والتجارة الموقعة عام 1891م. ومع انطلاق النهضة الحديثة دخلت العلاقة طورًا مؤسسيًا جديدًا؛ إذ زارت الملكة إليزابيث الثانية سلطنة عُمان زيارتي دولة عامي 1979 2010م، وردّ السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- بزيارة الدولة عام 1982م. كما زار الملك تشارلز الثالث عُمان أربع مرات حين كان أميرًا لويلز، آخرها في يناير 2020م لتقديم واجب العزاء في السلطان قابوس – طيب الله ثراه-.

وفي عام 2019م شهدت هذه العلاقة بين الدولتين نقلة نوعية في جانبها القانوني؛ ففي الحادي والعشرين من فبراير وُقّعت اتفاقية الدفاع المشترك، وقد سبقها افتتاح قاعدة الدعم اللوجستي البريطانية المشتركة في الدقم عام 2018م، والإعلان عن منطقة تدريب عسكري عُمانية بريطانية مشتركة، وفي مايو من العام ذاته وُقّعت في لندن الاتفاقية الشاملة للصداقة الدائمة، لتمتد مجالات التعاون إلى العلوم والصحة والتقنية والابتكار والتعليم والثقافة ومصائد الأسماك والزراعة ، وقد صُدّق عليها بالمرسوم السلطاني رقم 59/2019، فيما صُدّقت اتفاقية الدفاع المشترك بالمرسوم السلطاني رقم 42/2019.

ومنذ تولّيه مقاليد الحكم، حرص جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – على إبقاء قنوات التواصل مع لندن مفتوحة على أعلى المستويات. ففي ديسمبر 2021م التقى الملكة إليزابيث الثانية وعددًا من الوزراء البريطانيين، والتقى رئيس الوزراء السير كير ستارمر في أغسطس 2024م، واستقبله الملك تشارلز الثالث في قلعة وندسور في يوليو 2025م، ثم جاء لقاء الثاني من يوليو 2026 في داونينغ ستريت، الذي سلّم فيه ستارمر جلالته الدعوة الملكية الخطية لزيارة الدولة. وهذا التراكم يكشف أن الزيارة ليست حدثًا طارئًا، بل تتويجٌ لمسار متصاعد من الحوار والتشاور.

واليون تأتي زيارة الدولة هذه في لحظة إقليمية مضطربة؛ فهي تأتي متزامنة مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط عقب الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تلاها من ردود. وفي ظل هذه الظروق برز الدور العُماني مجددًا؛ إذ تناول لقاء جلالته مع ستارمر في يوليو الماضي سُبل التهدئة ومنع التصعيد، ودعم الجهود الرامية إلى استئناف الملاحة الآمنة في ممرات الخليج المائية، والتوصل إلى اتفاق دائم في الملف النووي الإيراني.

ومن منظور تحليلي، تمثّل عُمان لبريطانيا شريكا يجمع بين ميزتين قلّما تجتمعان: موقعٌ جغرافي يُطلّ على مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، ورصيدٌ دبلوماسي قائم على الحياد الإيجابي والوساطة الموثوقة. وتشير القراءات إلى أن مسقط تخوض مفاوضات مع طهران حول مستقبل إدارة المضيق، متمسكة بأن يظل ممرًا مفتوحًا وفق قواعد القانون الدولي للملاحة. ومن هنا فإن الشراكة الدفاعية القائمة في الدقم لم تعد مجرد ترتيب لوجستي، بل غدت جزءًا من معادلة أمن الملاحة الدولية التي تعني لندن بقدر ما تعني مسقط.

ولا يقلّ البعد الرمزي أهمية؛ فزيارة الدولة هي أرفع أشكال الضيافة الرسمية البريطانية، واستضافتها في قلعة وندسور تعكس تقدير المؤسسة الملكية لمكانة عُمان وقيادتها. كما أن الوفد الرسمي المرافق يضم صاحب السمو السيد شهاب بن طارق آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع، وصاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية؛ وعددا من القيادات الاقتصادية والمالية في عُمان، مما يعطي دلالة واضحة على أن الملفين الأمني والاقتصادي يسيران جنبًا إلى جنب.

اقتصاديًا، تُظهر الأرقام علاقة نامية لكنها لم تبلغ بعد كامل إمكاناتها. فقد بلغ إجمالي التجارة في السلع والخدمات بين البلدين نحو 1.8 مليار جنيه إسترليني (قرابة 846 مليون ريال عُماني) في الأرباع الأربعة المنتهية بالربع الثاني من 2025م، بنمو قدره 14.7%، وارتفعت الواردات البريطانية من عُمان بنسبة 31% لتصل إلى 533 مليون جنيه، فيما بلغ الاستثمار العُماني المباشر في بريطانيا 140 مليون جنيه بنهاية 2023 بزيادة 109% [23]. وفي المقابل، شكّلت الاستثمارات البريطانية قرابة نصف الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إلى عُمان في الربع الأخير من عام 2020 م. .

غير أن ما يمنح الزيارة ثقلها الاقتصادي الحقيقي هو توقيتها بعد خمسة أشهر فقط من توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين المملكة المتحدة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية في 20 مايو 2026، وهي الأولى من نوعها بين المجلس ودولة من مجموعة السبع. وتقضي الاتفاقية بإلغاء 90% من البنود الجمركية الخليجية على مدى عشر سنوات، وتشمل الخدمات المالية وحماية الاستثمار وتدفق البيانات وتنقل المهنيين، ولا تزال بانتظار استكمال إجراءات التصديق. وهنا تبرز فرصة عُمان في أن تكون من أوائل المستفيدين عبر تحويل الإطار الجماعي إلى مشروعات ثنائية ملموسة.

ويعزز ذلك وجود الشراكة الاستثمارية السيادية الموقعة في يناير 2022م بين جهاز الاستثمار العُماني ومكتب الاستثمار البريطاني، والتي ركّزت على الطاقة النظيفة والتقنية ، ومن المرجح أن تشكّل هذه المجالات، إلى جانب الهيدروجين الأخضر والخدمات اللوجستية والتعليم العالي، محاور رئيسة للنقاش انسجامًا مع مستهدفات رؤية عُمان 2040. ولعل حضور معالي وزيرة التعليم ومعالي رئيس جهاز الضرائب ضمن الوفد المرافق مؤشرٌ على اتساع الأجندة لتشمل الاستثمار في الإنسان والأطر التشريعية والمالية.

ختاما نؤكد على إن زيارة الدولة التي يقوم بها السلطان هيثم بن طارق إلى المملكة المتحدة ليست استعادةً لذاكرة تاريخية فحسب، بل هي إعادة صياغة لعلاقة عريقة بلغة المصالح المعاصرة. فعُمان تذهب إلى لندن وهي تحمل رصيدا من الثقة الدولية في دبلوماسيتها، ورؤية اقتصادية واضحة، وموقعًا جيوسياسيًا تتعاظم أهميته يومًا بعد يوم. وبريطانيا، الباحثة عن شركاء موثوقين في مرحلة ما بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، تجد في مسقط شريكًا يجمع بين الاستقرار والاعتدال. ويبقى المحكّ الحقيقي لنجاح الزيارة في قدرتها على تحويل البيانات المشتركة إلى برامج تنفيذية ومؤشرات قابلة للقياس، تُثبت أن صداقة “الشمس والقمر” قادرة على أن تتجدد بلغة القرن الحادي والعشرين.

د. بدرية بنت محمد النبهانية

باحثة ومحاضرة في التاريخ/مديرة تحرير مجلة إشراق العمانية/ عضو مجلس إدارة الجمعية العمانية للكتاب والادباء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *