إشكالية المسمى والهوية: هل يُنهي حذف “التربية” الدور القيمي للمؤسسات التعليمية؟

إن التحوّلات التي تشهدها الأنظمة التعليمية عالميًا تُعدّ ظاهرة طبيعية وصحية، إذ إن التطوّر الزمني والمتغيرات المتسارعة تفرض على الدول مراجعة سياساتها وتحديث أطرها التنظيمية بما ينسجم مع متطلبات المجتمع المعاصر وتحدياته.

وقد أثار سؤال طرحناه على منصة إكس (X) بتاريخ 3 فبراير 2026م على أثر المرسوم السلطاني القاضي بدمج كل من وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار تحت مسمى “وزارة التعليم”، حيث طرحنا تساؤلا للرأي العام مفاده: ” هل إزالة كلمة التربية من مسمى وزارة التعليم يُنهي الدور التربوي للمؤسسات التعليمية؟” 

وأعقبنا هذا التساؤل بتعليقٍ استهدف توجيه الرأي العام نحو جوهر القضية، حيث أشرنا إلى أن إزالة المصطلح قد تُضعف الصورة الذهنية التقليدية للوزارة بوصفها حاضنةً للقيم وموجِّهةً للعمل التربوي، كما قد ينعكس ذلك سلبًا على الواقع المؤسسي إذا ما تزامن التغيير الشكلي مع تقليص البرامج التربوية والأنشطة القيمية في المناهج والممارسات المدرسية.

إن هذا التحوّل يطرح إشكالات فلسفية وتنظيمية عميقة تتجاوز حدود الاسم الرسمي لتصل إلى جوهر الممارسة التعليمية نفسها. فعلمياً ومن الناحية الفلسفية، لا يمكن الفصل في المضمون بين “التربية” و”التعليم”، فهما مرتبطان ارتباطًا وجوديًا حتميًا، سواء تم التصريح بالكلمة في المسمى الرسمي أم لم يتم، إذ يمثلان في الواقع وجهين لعملة واحدة. فالمعرفة التي يوفرها التعليم تمنح الفرد أدوات القوة الفكرية، بينما يحتاج الفرد إلى من يوجّه هذه المعرفة توجيهًا قيمياً وأخلاقيًا، وهنا يتجلّى الدور المركزي للتربية داخل المنظومة التعليمية.

ومن ناحية أخرى، يُعدّ المنهج الخفي ركيزة أساسية في البيئة المدرسية، حيث يُعزّز القيم الوطنية لدى الطلبة من خلال سلوك الكادر الإداري والتدريسي، وأيضًا من خلال التفاعل مع الأقران. لذلك، فإن مسمى الوزارة لا يقتصر على كونه لافتة إدارية، بل يمثل مرجعية للسلوك التعليمي وصياغة للصورة الذهنية للمؤسسة لدى المجتمع.

ورغم أن إزالة كلمة ” التربية” قد يؤدي تدريجيا إلى إضعاف الصورة الذهنية للوزارة بصفتها الراعي الأول للقيم، ورغم المخاوف من تهميش العلوم الإنسانية لصالح العلوم التطبيقية تماشيا مع تسارع سوق العمل نحو هذه التخصصات، بالإضافة إلى خطر قد يكمن في حذف فعلي للبرامج التربوية والأنشطة القيمية من المناهج والواقع المدرسي المعاش. 

كل هذه المخاوف قائمة، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن وزارة التعليم قائمة أساسًا على الطالب كجوهر للمنظومة، جسدًا وروحًا. فهي تستثمر هذا ذلك من خلال تعزيز القيم الوطنية والدينية في المناهج الرسمية، وفي المنهج الخفي الذي يكتسبه الطالب من خلال سلوك الكادر الإداري والتدريسي وتفاعله مع أقرانه داخل البيئة المدرسية، ولهذا ينبغي أن تظل التربية ممارسة متأصلة في الأنظمة والتشريعات التعليمية، وهو ما ينعكس بوضوح في الهيكل التفصيلي الفعلي لوزارة التعليم العمانية.

في الختام، يمكن القول إن التعليم الذي لا يُربي هو استثمار في الآلات لا في البشر. فالمجتمعات لا تنهار نتيجة جهلها بالمعادلات الرياضية، بل بسبب جهلها بأسس العيش المشترك والالتزام الأخلاقي، والتربية في وزارة التعليم ممارسة متجذرة في المناهج، وفي الأنظمة والتشريعات التعليمية، كوحدة متكاملة الإجراءات.

د. بدرية بنت محمد النبهانية

باحثة ومحاضرة في التاريخ/مدريرة تحرير مجلة إشراق العمانية/ نائب رئيس لجنة كتاب وأدباء الداخلية/ عضو مجلس إدارة الجمعية التاريخية العمانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *