“لو أن أهل عُمان أتيت”: خطاب وندسور ودبلوماسية الحياد البنَّاء

قراءة تاريخية في كلمة جلالة الملك تشارلز الثالث
د. بدرية بنت محمد النبهاني
مديرة تحرير مجلة إشراق التربوية
ليست كلمات المآدب الرسمية مجرد مجاملات بروتوكولية تنقضي بانقضاء المناسبة؛ بل تُعدّ وثائق تاريخية تستحضر التاريخ في جوانبه المختلفة، وتوزن مفرداتها بميزان المصالح والرموز كذلك، فدبلوماسية ما يمكن أن نسميه (مسرح القوة) ترسل فيه الإشارات عبر الكلمة، ومن هذا المنطلق نستقرئ هذه الإشارات في كلمة جلالة الملك تشارلز الثالث ملك المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وايرلندا الشمالية في مأدبة العشاء التي أقامها على شرف صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – في قلعة وندسور، وذلك على شرف زيارة الدولة الأولى لسلطان عُمان والتي تأتي بعد 44 عامًا من زيارة الدولة الأولى لسلطان عُماني للندن. وتأتي هذه الزيارة في ظرف إقليمي ودولي يتصل بالحرب على إيران وتعطل الملاحة في مضيق هرمز.
ويمكننا قراءة خطاب جلالة الملك تشارلز على أربعة مستويات مختلفة متداخلة؛ إذ بدأ أولًا بالحديث عن تاريخ الصداقة بين عُمان وبريطانيا، مؤكدًا أن الشراكة التجارية ممثلة في الملاحة البحرية في القرن السابع عشر الميلادي كانت بداية لهذه العلاقات، تلتها معاهدات القرن الثامن عشر، فشراكة القرن التاسع عشر، وصولًا إلى علاقة عسكرية دبلوماسية تجارية مبنية على الثقة والتعاون بين البلدين. وهذا ما تؤكده المصادر والمراجع التاريخية، فأول اتصال موثق بين عُمان وبريطانيا يعود لسنة 1646م حينما وقّع الإمام ناصر بن مرشد اليعربي اتفاقًا تجاريًا مع شركة الهند الشرقية البريطانية وقتها، لتأتي اتفاقية 1798م مع السيد سلطان بن أحمد، ويأتي التعاون السياسي والاقتصادي معزِّزًا لهذه العلاقات، وما تلاها من اتفاقات في القرن التاسع عشر الميلادي كذلك. ومن اللافت أن اتفاق سنة 1800م ورد أيضًا في كلمة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – وترسيخًا للوعد بأن الصداقة بين الدولتين تبقى ما دامت الشمس والقمر في دورتهما، وحتمًا حين يلتقي الطرفان على نص واحد، تخرج الوثيقة من الأرشيف لتصبح ذاكرة مشتركة يحتكم إليها الجانبان، وهذه رسالة لا تنقل المعنى فحسب؛ بل تصنعه.
استطرد جلالة الملك تشارلز خطابه متحدثًا عن عُمان من عينٍ بريطانية، وهنا يكمن الثقل السياسي للكلمة. فقد أشاد جلالة الملك بالتزام عُمان بالوساطة بوصفها جهة يثق بها جميع الأطراف، وبجهودها في إبقاء أحد أهم الممرات الملاحية في العالم مفتوحًا، وأكد أن هذا الحياد البنّاء كما يسميه جلالة السلطان، تتجاوز أهميته مضيق هرمز. وهذا النهج ليس جديدًا على عُمان؛ فقد حافظت عُمان دائمًا على سياستها في حفظ التوازن بين القوى المتنافسة إقليميًا خاصة، وقدمت نفسها وسيطًا للسلام منذ عهد المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – وأطلق عليه السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – الحيادَ البنّاء، مؤكدًا أن الأمة الحكيمة تختار أن تصغي، وإن في الإصغاء قوة لا تُنال بالجيوش، وهو معنى قريب مما سماه جوزيف ناي بالقوة الناعمة، أي القوة القائمة على الثقة لا الإكراه.
والمتتبع لخطاب جلالة الملك يلحظ الدقة التاريخية في تسلسل الأحداث والشخصيات المرتبطة بها؛ فقد خصَّ بالذكر السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – بكلمات مؤثرة، فوصفه بـ(صديقي وأخي العزيز)، وذكر أنه أحدث تحولًا في عُمان، مع الحفاظ على ثقافتها العريقة، وانتهج سياسة خارجية قائمة على الانفتاح والحوار بحكمة بالغة، مضيفًا أن بريطانيا تدين بالكثير لقيادته الملهمة. ثم انتقل بعدها إلى ما أنجزه جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – مؤكدًا أن سياسة عُمان تحت قيادة جلالته هي امتداد لنهج أرساه السلطان قابوس – طيّب الله ثراه – وتجديد له في عهد النهضة المتجددة.
اللافت في خطاب جلالة الملك تشارلز الثالث هو الاستشهادات التي تحدث بها بلغة عربية واضحة. وبالتأكيد لم يكن استشهاد جلالة الملك بالحديث والشعر لتزيين خطابه فقط؛ بل كان اختيارًا مقصودًا يستحق أن نتأمله. فجاء ذكره لحديث النبي ﷺ: “لو أن أهل عُمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك” تأكيدًا على أن عُمان منذ القدم راسخة في دبلوماسيتها، وكأن جلالة الملك أراد أن يقول إن عُمان كانت منذ فجر الإسلام أرضًا يأمن فيها الوسيط، وما زالت كذلك. وحينما يستمع المرء لجلالة الملك البريطاني وهو يقرأ الحديث باللغة العربية وهو حامي الإيمان في تقاليد الكنيسة الإنجليزية فهو أيضًا امتداد لحوار الأديان الذي أثنى عليه جلالة السلطان في رده.
لم يكتف جلالة الملك بحديث النبي ﷺ؛ بل تبعه باستشهاد آخر أيضًا باللغة العربية لشاعر الوطن أبي مسلم البهلاني، في أبيات تحمل ذات القيم العُمانية الراسخة؛ إذ يقول البهلاني:
وَلَا بَرِحَتْ تِلْكَ الرِّيَاضُ نَوَاضِرًا تُضَمِّخُهَا طِيبَ السَّلَامِ النَّسَائِمُ
واختيار أبي مسلم تحديدًا له معناه؛ فهو الذي عاش جزءًا كبيرًا من حياته قاضيًا وأديبًا في زنجبار، وكتب كثيرًا من شعره حنينًا إلى عُمان، وهو صوت يذكّر بالحضور البحري العُماني الذي افتتح به جلالة الملك كلمته. والبيت في معناه دعاء بأن تبقى عُمان نضرة، وكلمة (السلام) اختصرت الخطاب كله، ليختم جلالة الملك كلمته ببيت لشيخ البيان محمد بن شيخان السالمي حين قال:
عِشْ فِي كَمَالٍ مُسْتَمِدًّا نِعْمَةً مِنْ رَبِّكَ الْوَهَّابِ لَا مُتَنَاهِيَةً
وهنا ما كان من جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – إلا أن يرد التحية بمثلها، وختم كلمته بالدعاء أيضًا. اللافت أن خطاب جلالة الملك جاء مستشهدًا بمصادر عُمان المختلفة من دينها وتراثها العربي وأدبها، وهو ما يعكس قيمة الضيف لدى مضيفه.
من جانب آخر، لم تقف الكلمة عند الماضي والحاضر؛ بل نظرت إلى ما ينتظر الأجيال القادمة من قضايا ومشكلات سواء بيئية أو علمية أو اقتصادية، مؤكدةً أن مواجهة هذه التحديات ستجعل الأجيال بحاجة إلى أصدقاء موثوقين، وضربت لذلك مثلًا برعاية صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم وصاحب السمو الملكي أمير ويلز معًا لرحلة (سلطنة عُمان جوهرة العرب) الاستكشافية، معتبرةً انتقال العلاقة من جيل إلى جيل من أبهج علامات نجاحها.
ختامًا، تظهر كلمة جلالة الملك تشارلز الثالث أن العلاقات العُمانية البريطانية ليست صفحة من الماضي، بل ذاكرة حية يعود إليها البلدان كلما أرادا فهم حاضرهما والتطلع إلى مستقبلهما. كما أن هذا الخطاب يُعدّ درسًا تاريخيًا في النظرة لطبيعة العلاقات بين الدول، وكيف تتطور وتتشكل وفقًا للمعطيات السياسية الإقليمية منها والعالمية كذلك.




