أين أنتم من مسؤولياتكم التاريخية في حماية شعوبكم؟

حين تُنتهك كرامة الإنسان بلا حساب، وتُباد شعوب بأكملها تحت غطاء “الشرعية الدولية”، ويتحول القاتل إلى صاحب حق، والمقاوم إلى متهم، ندرك أننا نعيش في عالم فقد توازنه الأخلاقي، وسقطت فيه الشعارات قبل الأنظمة؛ من غزة الجريحة إلى طهران المستهدفة، تتوالى مشاهد العدوان الممنهج، في ظل صمت دولي مريب وتواطؤ غربي صارخ، بينما تبقى الأمة العربية والإسلامية واقفة على مفترق طريق:

إما أن تصنع موقفًا بحجم الكرامة، أو تغرق في صمتٍ يُصادر تاريخها وحقها في الوجود.

عصرٌ يتشدق ليل نهار بحقوق الإنسان، ويزعم الدفاع عن الحريات، لكنه سرعان ما يصمت صمتًا مريبًا حين يكون الضحية عربيًا أو مسلمًا، ويغض الطرف حين يكون الجلاد صهيونيًا مدعومًا من قوى الهيمنة الغربية، هذه المعايير المزدوجة كشفت زيف الخطاب الحقوقي الغربي، وأكدت أن العدوان لم يعد موجهًا ضد كيان أو جهة بعينها، بل هو موجه ضد الأمة العربية والإسلامية برمتها، ضد هويتها، وكرامتها، وحقها في الوجود.

لقد انكشفت الأقنعة، وسقطت شعارات حقوق الإنسان في وحل الانتقائية والنفاق. فالدفاع عن الإنسان لا يتجزأ، ولا يُمارَس وفق أجندات المصالح والسيطرة، وعندما تُباد شعوب بأكملها أمام أنظار العالم، وتُقصف منازل الآمنين وتُدفن العائلات تحت الركام، فلا مكان للحياد، ولا مبرر للصمت سوى أنه خيانة إنسانية وأخلاقية.

ما يحدث اليوم لم يعد صراعًا سياسيًا أو عسكريًا فحسب، بل هو عدوان ممنهج على الأمة العربية والإسلامية جمعاء، يستهدف وجودها، وهويتها، وتاريخها، وثقافتها، وحتى شعورها الإنساني المشترك، لقد أصبح من الواضح أن الساحة مفتوحة لتفكيك المنطقة، وضرب وحدتها، وتشويه نضال شعوبها العادلة، فماذا أنتم فاعلون؟

أين أنتم من مسؤولياتكم التاريخية في حماية شعوبكم؟

أين أنتم من الدفاع عن سيادة أوطانكم، وصون كرامة أمتكم، وتحصين جبهاتكم الداخلية من الانقسام؟

إن السكوت لم يعد حيادًا، والصمت بات خيانة للتاريخ وللإنسانية…

فإما أن نكون في صف الكرامة والحق، أو نُدفن تحت ركام الضعف والتخاذل.

لسنا بحاجة إلى بيانات شجب جديدة، ولا إلى اجتماعات طارئة تذروها الرياح، نحن بحاجة إلى إرادة حقيقية، إلى موقف يتجاوز الحسابات الضيقة، ويعيد الاعتبار لأمتنا في زمن تتسابق فيه القوى على إعادة تشكيل الخرائط بقوة السلاح وتحت غطاء الشرعية المزيفة.

وهنا، لا بد أن نعود إلى الجذور؛ إلى اللحظة التي ادّعى فيها الغرب تأسيس نظام عالمي جديد بعد الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي أبادت أكثر من خمسة وثمانين مليون إنسان، وشهدت استخدامًا مروعًا للأسلحة النووية ضد مدنيين أبرياء، وقف الغرب يعلن تأسيس نظام عالمي جديد تحت شعار حماية الإنسان وصون كرامته، ومن رحم تلك المأساة، وُلدت منظمة الأمم المتحدة عام 1945، في لحظة فارقة من التاريخ الإنساني، قيل إنها جاءت لترسّخ السلام وتمنع تكرار مآسي الحروب.

لكن الحقيقة التي تكشفت لاحقًا، هي أن تلك المؤسسة الدولية شُيّدت في الأساس لتكون أداة تخدم رؤية الغرب لماهية الإنسان، ولمن يستحق حمايته وحقوقه، الغرب وضع المعايير، وحدد المواثيق، واحتكر التفسير، ثم حوّلها إلى أدوات تُطبق على من “يريد” و”يرضى عنه”، وتُرفع عند أول صدام مع مصالحه.

وحين يتعلق الأمر بالكيان الصهيوني، تتساقط تلك المبادئ بسرعة مذهلة، تُنسى مواثيق حقوق الإنسان، ويصمت القانون الدولي، وتُعطل قرارات مجلس الأمن، وكأن الصهاينة فوق القانون وخارج نطاق المساءلة؛ فالمجازر التي ارتُكبت في غزة، والقتل الممنهج للأطفال والنساء، وجرائم الإبادة الجماعية التي فاقت كل تصور، لم تحرك ساكنًا في ضمير العالم الذي أقام الدنيا من أجل حقوق أقلية هنا أو تمييز هناك.

وحين يتعلق الأمر بالكيان الصهيوني، تتساقط تلك المبادئ بسرعة مذهلة، تُنسى مواثيق حقوق الإنسان، ويصمت القانون الدولي، وتُعطل قرارات مجلس الأمن، وكأن الصهاينة خارج نطاق المساءلة، فالمجازر التي ارتُكبت في غزة، والقتل الممنهج، وجرائم الإبادة الجماعية، لم تحرّك ساكنًا في ضمير العالم الذي يهتز لصورة، ويصمت أمام الكارثة.

ما نراه ليس مجرد ازدواجية في المعايير، بل نظرة استعلائية وهمجية ما تزال تتحكم في العقل الغربي، ترى في شعوبنا أدوات للنهب والسيطرة، وليست شعوبًا تستحق السيادة والدفاع عن النفس، وتُحاصر الدول التي تملك قرارها، وتُعاقب الشعوب التي تحاول أن تنهض، ويُمنع عنها حتى أبسط حقوقها، وفي مقدمتها الحق في الدفاع عن النفس، لقد تم توظيف المؤسسات الدولية لتكريس هيمنة القوى الكبرى، وحرمان شعوب من أدوات الكرامة؛ لم يكن الهدف من الأمم المتحدة أن تكون صوتًا للمظلومين، بل غطاءً للقوي حين يُجرد الضعيف من أرضه وكرامته.

وفي ظل هذه المعطيات، مضى الكيان الصهيوني في عدوانه السافر، مستهدفًا دولة ذات سيادة واستقلال هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لم يكتف باغتيال علمائها وقادتها، بل قصف منشآتها الحيوية، واستهدف مستشفياتها، وقتل المدنيين على أراضيها، في انتهاك فج لكل المواثيق الدولية.

ورغم فداحة الاعتداء، وعندما طلبت إيران من مجلس الأمن الدولي إدانة ما حدث، التزم المجلس الصمت، وتخلى عن دوره المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، بل وتحوّل إلى شاهد زور على خرق فاضح لمبادئ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

الأدهى من ذلك، أن بعض الدول الغربية لم تكتف بالصمت، بل أعلنت دعمها الصريح للكيان الصهيوني، وزوّدته بالمعدات العسكرية، وباركت هجماته تحت ذريعة “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”، هذه الذريعة نفسها التي حُرمت منها كل دولة عربية أو إسلامية حاولت الدفاع عن شعبها أو أرضها.

إننا اليوم نعيش في عالم تحكمه المعايير المقلوبة، عالم لا يحترم القانون إلا عندما يخدم مصالح الأقوياء، ولا يعترف بالحق إلا إذا نطق به سلاح مدعوم بنفوذ سياسي؛ لقد أصبح الدفاع عن السيادة والكرامة لا يُنال عبر الاستنجاد بالمؤسسات الدولية التي شُيّدت أصلاً على معايير غير عادلة، بل عبر امتلاك أدوات الردع، وبناء القوة، وفرض الوجود بحكمة وحنكة واقتدار.

فنحن أمام حقيقة واضحة:

لم يعد العالم يعترف إلا بمن يملك القدرة على الدفاع عن نفسه، لا بمن يطرق أبواب المنظمات ليستجدي منها عدالة لن تأتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *