ثبات الأنظمة يبدأ من المواطن: درس من المواجهة الإيرانية-الصهيونية

يشهد العالم اليوم تحولات سريعة ومتعددة، لا سيما في مجالات التكنولوجيا والاتصال، الأمر الذي دفع الكثير من المفكرين إلى إعادة التفكير في الأسس التي تقوم عليها الدول، وخصوصًا تلك المرتبطة ببناء الإنسان والمواطنة، فمع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية، أصبحت صلابة النظام السياسي والاجتماعي محل اختبار مستمر.
وقد جاءت الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الصهيوني لتقدم مثالًا حيًا على هذا التحدي، فقد شهدت تلك المواجهة واحدة من أخطر محاولات زعزعة النظام من الداخل، حين تم استغلال بعض القوى الداخلية في إيران بهدف النيل من النظام السياسي والديني القائم، في محاولة لإحداث شرخ واسع في بنية الدولة من الداخل، بالتوازي مع الهجوم الخارجي.
كان لهذه الضغوط المتزامنة أن تفتح الباب أمام فوضى داخلية واسعة، إلا أن القيادة الإيرانية تمكنت، وفي وقت قصير، من استيعاب الأزمة وإعادة ضبط الداخل الإيراني، واستعادة التوازن والاستقرار، هذا النجاح لم يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل شمل الحفاظ على تماسك النظام السياسي، مما أتاح لإيران العودة إلى ساحة المواجهة بقوة واستكمال الحرب، بل وتحقيق انتصار ميداني ملحوظ بعد الضربة الأولى.
هذه التجربة كشفت عن أمر بالغ الأهمية: أن قدرة أي نظام سياسي على الصمود لا ترتبط فقط بقوته العسكرية أو الأمنية، بل تتجذر في مدى متانة نسيجه الداخلي، ومدى وعي المواطن، وصلابة الهوية الوطنية التي تمنع الاختراق.
في هذا السياق تظهر الحاجة إلى تعزيز المواطنية الفاعلة، وغرس قيم الانتماء والمسؤولية الوطنية، كركيزة أساسية في حماية الدولة، لأن المواطن هو الحامي الحقيقي لمقدرات الوطن ووحدته، فالدول المعادية عندما لا تستطيع هزيمة الدولة من الخارج، تلجأ لاختراقها من الداخل، من خلال زرع الفتن، والتأثير على وحدة الصف، وضرب الثقة بالرموز الوطنية، وغالبًا ما تنجح هذه المحاولات إذا وُجدت عناصر داخلية ضعيفة الانتماء أو منعدمة الولاء.
ما حدث في إيران لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كان اختبارًا شاملًا لقوة الدولة من الداخل، بدءًا من القيادة، ومرورًا بالمؤسسات، وانتهاءً بالمواطن نفسه، وفي زمن تتداخل فيه الحروب مع الإعلام والتقنية، وتُفتح فيه الجبهات من الداخل قبل الخارج، أصبح الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ضرورة لا غنى عنها، بل هو الأساس لبقاء الدولة واستقرارها.
فأحد أخطر التحديات التي قد تواجه أي دولة هو ضعف تماسكها الداخلي، فالهشاشة من الداخل لا تظهر بوضوح إلا عندما تُقرع طبول المواجهة، وتبدأ الدولة المعادية بمحاولات الاختراق والتأثير، هذه المرحلة تُعرف بساعة الصفر، حيث تختبر الدول صلابتها الحقيقية. وفي عالم لم تعد فيه القوانين الدولية تحمي سيادة الدول ولا تضمن استقرارها، أصبح امتلاك القوة العسكرية وحده لا يكفي، بل لا بد من امتلاك القوة الوطنية أيضًا، والمتمثلة في وحدة الصف، ووعي المواطن، والولاء الوطني الصادق، فهذه القوة هي الحصن الحقيقي الذي يحفظ الدولة من الانهيار ويصون سيادتها من أي اعتداء.
إن غرس روح المواطنية وتعميق الانتماء والولاء للوطن لا يمكن أن يتحقق من خلال حصة دراسية أو كتاب منهجي فحسب، فالمسألة أعمق وأوسع من ذلك، المواطنة الفاعلة تُبنى من خلال مشروع وطني متكامل تشارك فيه المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية والثقافية، وتسنده السياسات العامة للدولة، وينبغي على الأنظمة السياسية أن تدرك أن الأحداث الأخيرة تمثل درسًا مجانيًا، يُنبه إلى أهمية الوقاية قبل أن تقع الأزمة، وأن بناء المواطن الواعي المتمسك بوحدة وطنه، والمؤمن بدوره في حماية مجتمعه، هو أحد أهم أسلحة الدولة في مواجهة الأخطار.
إن بناء المواطنة الحقيقية لا يتحقق فقط عبر منظومة تعليمية ترفع شعار “التربية على المواطنة”، بل يتطلب رؤية شاملة تتجاوز التنظير إلى الواقع، عبر ايجاد بيئة حقيقية تُمكّن الفرد وتُعالج الإشكاليات التي تواجهه في حياته اليومية، فالمواطنة لا تُلقّن، بل تُصاغ من خلال تجربة الفرد مع وطنه: هل يجد من يحتضن طموحه؟ هل يشعر بعدالة توزّع الحقوق والفرص؟ هل يجد وظيفة تحفظ كرامته ودخلًا يؤمّن مستقبله؟ هذه الأسئلة ليست تفصيلًا، بل هي جوهر الانتماء.
إن الفرد الذي يشعر بالخذلان من مؤسساته، والذي تتراكم عليه هموم المعيشة والبطالة والتهميش، يصبح عرضة للتأثر بالخارج، حتى دون وعي منه. من هنا، فإن المواطنة لا تُبنى بالشعارات العابرة، بل بالفعل الوطني الذي يرسّخ الشعور بالكرامة والانتماء، ويجعل من المواطن شريكًا حقيقيًا في حماية وطنه، لا مجرد متلقٍ للتوجيهات.
وفي المقابل، كلما زادت هذه التحديات وتفاقمت مظاهر الفقر والتهميش والحرمان، كلما تحوّلت إلى ثغرات استراتيجية تقرؤها القوى المعادية بذكاء وتستثمرها بوسائل ناعمة، فلم تعد هذه المعلومات اليوم سرية أو مقتصرة على التقارير الاستخباراتية، بل أصبحت في متناول أجهزة جمع البيانات وتحليلها باستخدام أدوات التقنية الحديثة. هكذا تبدأ عمليات الاختراق الناعم، انطلاقًا من أوجاع الداخل، وتحويلها إلى أدوات ضغط وتفتيت.
إن الرد الحقيقي على هذه التهديدات لا يكون فقط بتحصين الجبهة الأمنية، بل بتحصين الجبهة الاجتماعية، وبناء مواطن يشعر أن دولته تنتمي إليه كما هو ينتمي إليها، حينها فقط، يصبح الانتماء درعًا لا يُخترق، وتتحول المواطنة من شعار إلى حصن وطني صلب في وجه كل محاولات الاختراق.



