تمكين الشباب العُماني بين الانتماء الوطني وفرص العمل

في كل بقعة من تراب عُمان حكاية انتماء، وفي كل حجر من جبالها شهادة وفاء، ليس حب الوطن شعارًا يقال، بل فعل يُترجم في المواقف والتضحيات، وفي الإيمان بأن قوة الدولة تبدأ من قوة مواطنيها، ووعيهم، وإخلاصهم في حمل الأمانة.

عُمان، ذلك الوطن الذي نحمله في قلوبنا ونحيا من أجله، نذود عن أمنه واستقراره، ونفديه بأرواحنا ودمائنا، ونصون وحدته بوفاء راسخ وعهد لا يموت، فأرضه الخالدة امتزجت بدمائنا، وجباله وسهوله احتضنت حكايات أجدادنا، فصار ارتباط العُماني بأرضه علاقة أبدية، صنعت عبر الزمن ملاحم خالدة، وأثبتت للعالم أن حُب الوطن لا يقاس بالكلمات، بل بما نقوم به من أفعال وانجازات تُجسد ذلك الحُب الحقيقي، الذي ارتبط بالعلاقة بين المواطن وأرضه، ثمارها كان الانتماء والحب الأبدي.

هذا الحب العميق، المتجذر في وجداننا، هو درس بليغ في الولاء والانتماء، ونموذج فريد في الإخلاص للأرض، فلقد دفع العُماني ثمن هذا الانتماء بعرقه وجهده وتضحياته، ليبقى هذا الوطن شامخاً كشموخ رؤوس الجبال في مسندم، وصامدًا كجبال ظفار حيث تلتطم أمواج المحيط، بتلك الصخور التي ظلت صامدة في وجه كل من يحاول المساس بأمن عُمان واستقرارها، وليس في هذا الحب مجال للمزايدة أو التشكيك، فهو أمانة ومسؤولية مشتركة بين الجميع، ينبغي أن نصونها بكل ما نملك من صدق وإخلاص.

ويظل المواطن، وخاصة الشباب، عماد التنمية الوطنية وأساس نهضة الدولة، فقد استثمرت عُمان في تعليمهم وتأهيلهم، ووفرت لهم فرص التعلم في أرقى المؤسسات داخل البلاد وخارجها، إيمانًا بأنهم الثروة الحقيقية التي تُبنى عليها الأوطان، لكن بقاء هؤلاء الشباب، وهم يحملون أعلى الشهادات، دون فرص عمل عادلة، يعد خسارة فادحة للوطن وإهدارًا لرصيد بشري لا ينضب، فتمكينهم من المساهمة الفاعلة في سوق العمل يحرك عجلة الاقتصاد، ويعزز الوحدة الوطنية، ويحقق الاستقرار الاجتماعي، ويعالج الكثير من المشكلات التي قد تنشأ إذا تعطلت طاقاتهم، عندما يحصل الشاب على وظيفة، فإنه يخطو أولى خطواته نحو تكوين أسرة مستقرة داخل البنية الاجتماعية، ويسهم بفاعلية في تنمية المجتمع ويؤدي دوره كمواطن منتج يخدم وطنه. أما في حال بقائه عاطلاً عن العمل، فإنه يتحول إلى فرد غير منتج يشكل عبئًا على المجتمع، وقد يكون مصدرًا لمشكلات ناتجة عن تفشي البطالة، ويزداد الأمر تعقيدًا مع هيمنة العمالة الآسيوية في سوق العمل، مما يحد من فرص المواطن في الحصول على وظيفة أو العمل في القطاع الخاص بشكل فردي، إن استمرار بطالة الشباب يُعد من أبرز العوامل التي تُضعف الاقتصاد، وتُفاقم التحديات الاجتماعية، وتُثقل كاهل المجتمع والدولة على حد سواء.

إن تعطيل طاقات الشباب وعدم الاستفادة من عقولهم وخبراتهم يفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ويهدر جهودًا كبيرة بُذلت في إعدادهم، وحين نتحدث عن الحفاظ على أمن الوطن، فإننا نعني أمنه الشامل، الذي يبدأ من تمكين أبنائه وإتاحة الفرص لهم، وهذه مسؤولية يتحملها الجميع؛ الأفراد، والمؤسسات الحكومية، والقطاع الخاص، والمسؤولون، من خلال القيام بواجبهم في معالجة القضايا الوطنية، وعلى رأسها قضية الباحثين عن عمل، إذ إن تطبيق قوانين العمل في كل المؤسسات، وتنفيذها بعدل وشفافية، هو الطريق الأمثل لاستثمار طاقات الشباب في خدمة وطنهم، وضمان استمرار مسيرة البناء والتنمية، وجعل هذا الأمر الوطني ضمن أولويات المؤسسة المعنية بقطاع العمل، فالقوانين والأنظمة التي وضعها المشرع كافية لتشغيل الشباب العماني إذا تم تطبيقها، ودعمت بالرقابة التي تحفظ الحقوق، ولكن أن تتمتع العمالة الوافدة بكافة المزايا الوظيفية ويترك الشاب العماني دون وظيفية بحجج واهية أمراً في الكثير من الإشكاليات المستقبلية.

تُقدّر الزيادة السنوية في أعداد الباحثين عن عمل بأكثر من خمسين ألف خريج عُماني، جميعهم مؤهلون للانخراط في سوق العمل الوطني. وإذا لم تُعتمد استراتيجية وطنية شاملة ومدعومة بقرارات سيادية ملزمة، فإن هذه الأعداد مرشحة للارتفاع سنويًا، بما يشكّل عبئًا متناميًا على الدولة من حيث الإنفاق الاجتماعي، ويؤثر سلبًا على مؤشرات النمو الاقتصادي والاستقرار المجتمعي، فالحلول الوقتية، مهما بدت مجدية على المدى القصير، لن تعالج جوهر المشكلة، بل قد تؤدي إلى تراكم التحديات. لذا، فإن الحاجة اليوم تفرض تبني منظومة وطنية للتوظيف ترتكز على القوانين المنظمة لسوق العمل وتُدعَم بقرارات سيادية تضمن التطبيق الفعّال والرقابة الصارمة.

ويأتي القطاع الخاص في صدارة الأطراف المعنية، نظرًا لما يحظى به من تسهيلات وإعفاءات ودعم حكومي، مما يُحتم عليه تحمّل مسؤوليته القانونية والاجتماعية في توظيف الكوادر الوطنية. فمن غير المنطقي أن يتجاوز عدد العمالة الوافدة في هذا القطاع حاجز المليوني عامل، بينما يُترك عشرات الآلاف من الشباب العُماني المؤهل خارج دائرة الفرص.

إن إعادة هيكلة سوق العمل، ووضع نسب توطين ملزمة وقابلة للقياس، وتفعيل أدوات الرقابة القانونية والإدارية على التوظيف، أصبحت خطوات لا تحتمل التأجيل إذا أردنا ضمان عدالة توزيع الفرص وتحقيق الأمن الاقتصادي والاجتماعي في ظل رؤية عُمان 2040.

إن ترك المجال للقطاع الخاص للاستثمار في موارد الدولة والاستفادة من التسهيلات المقدّمة، دون أن يقابله التزام فعلي بتوفير فرص عمل للمواطنين، يُحوّل هذا النشاط الاقتصادي من فرصة تنموية إلى عبء يفوق أي جدوى اقتصادية مرجوة. فحين يقتصر دور الشركات على تحقيق العائد المادي بمعزل عن مسؤولياتها الاجتماعية والوطنية، فإنها تُسهم في تعميق أزمة البطالة وتُفاقم التحديات الاجتماعية.

فالسماح للعمالة الوافدة بالهيمنة على معظم التخصصات والقطاعات، في مقابل ترك الشباب العُماني دون فرص عمل لسنوات، يُعد خللًا بنيويًا يهدد الاستقرار الاجتماعي ويُضعف الاقتصاد الوطني على المدى البعيد. فبينما تُحوّل العمالة الوافدة دخولها إلى خارج البلاد، فإن تشغيل العُمانيين يُسهم في تنشيط السوق المحلي، ويعزز من الدورة الاقتصادية الداخلية، ويُسهم في معالجة قضايا اجتماعية متراكمة.

إن الوطن لا ينهض إلا بسواعد أبنائه، ولا يحافظ على مجده إلا بوعيهم وإخلاصهم، وشباب عُمان، بما يحملونه من علم وكفاءة وطموح، هم الامتداد الطبيعي لمسيرة النهضة المتجددة، وحملة رايتها نحو المستقبل. وقد أكّد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- في أكثر من مناسبة، أن الشباب هم الثروة الحقيقية لهذا الوطن، وأن تمكينهم وتوفير الفرص الكريمة لهم يُعد ركيزة أساسية في بناء الدولة العصرية وتحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040.

إن تمكينهم ليس خيارًا، بل واجب وطني، لأن الاستثمار في طاقاتهم هو الاستثمار في أمن الوطن، واستقراره، وازدهاره، وستظل عُمان قوية ما دام أبناؤها أوفياء لعهدها، مخلصين في عطائهم، ماضين على درب البناء جيلاً بعد جيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *