دور وسائل الإعلام في التوعية بمخاطر العنف ضد الأطفال

لقد تفشت ظاهرة العنف ضد الأطفال بكل أنواعها وأشكالها في بداية القرن الحادي والعشرين، وبات من الصعب الحصول على إحصائيات دقيقة حول هذه الظاهرة، مِمّا دعا العديد من الباحثين والمهتمين في مختلف المجالات إلى معرفة الأسباب والدوافع وصولًا إلى تقديم الحلول كل في تخصصه بدءًا من علم الاجتماع والنفس والقانون ورجال الدين والأجهزة الشرطية وانتهاءً بوسائل الإعلام بمختلف أنواعها التقليدية والحديثة باعتبارها عامل مهم لضمان حماية الطفل من العنف، مِمّا جعلها  لأن تصبح جزءًا مهمًا  في عملية التربية وركنًا أساسياً في كل أسرة.  

ونظراً؛ لأن الطفل هو اللبنة والوحدة الأساسية لبناء المجتمعات والأمم، فهو بحاجة إلى بيئة صحية تؤمن له احتياجاته النفسية والجسدية من أجل نمو متوازن وسليم، لذا فإن تعدد الأطراف الفاعلة كالأسرة والمدرسة في تشكيل نفسية الطفل وإكسابه الشخصية المتميزة، لا تقل أهمية عن دور وسائل الإعلام في توعية الجماهير بمخاطر العنف ضد الأطفال بفضل امتلاكها ميكانزمات علمية وتربوية ومعرفية  تمكنها من نشر الوعي والتثقيف حول مخاطر العنف التي يتعرض لها الأطفال، وكذلك خلق رأي عام وطني وعالمي حول خطورة  تلك الظاهرة والبحث عن سُبل و آليَّات لمعالجتها بدلاً من انتشارها داخل المجتمع. 

بناءً على ما سبق، لابد من التركيز على الوسائل الإعلامية لنشر عملية التثقيف الاجتماعي وجذب الانتباه إلى مخاطر العنف ضد الأطفال بكل أشكالها سواء كان محسوسًا أو معنويًا جسديًا أو لفظيًا، فهي بدورها قادرةً على إحداث التوعية والتثقيف في ذات الفرد والمجتمع، وذلك من خلال الدور الإيجابي الذي تقوم به وسائل الإعلام سواء عن طريق تقديم برامج وإعلانات وملصقات ومنشورات من شأنها أن تعمل على نشر السلام والوئام ونبذ العنف والكراهية داخل المجتمع، إلى جانب تناول الموضوعات والقضايا الاجتماعية سواء عبر الشاشات أو في صفحات الجرائد والتي يتم تناولها من قبل الكتابً والباحثون المشاركون في المؤتمرات والندوات العلمية ، والتي تبثّ عبر وسائل الإعلام المختلفة في جَوّ يسوده الوَدَّ والتسامح ونبذ كافة أشكال العنف التي يتعرض لها الأطفال داخل مجتمعاتهم. (جودي و جمعي، 2023، صفحة 100)

إذن إن الحديث عن دور وسائل الإعلام في التوعية بمخاطر العنف ضد الأطفال، يدفعنا لمعرفة الأهمية والدور الذي تمارسه تلك الوسائل مع بيان الآليَّات الواجب اتباعها من قبل وسائل الإعلام للتوعية بمخاطر العنف ضد الأطفال وهذا ما سوف نسلط الضوء عليه في هذه المقالة.

1. أهمية وسائل الإعلام في التوعية بمخاطر العنف ضد الأطفال

ارتبطت وسائل الإعلام منذ ظهورها بحياة الأفراد فهي اتخذت أشكالاً مختلفة من الصحافة سواء المكتوبة أو المسموعة أو المقروءة وصولاً إلى الأنترنت، والتي أحدثت تغيرات بنائية ووظيفية داخل نطاق المجتمع ذاته، وزادت أهميتها مع زيادة قدرتها على المساهمة مع وسائل التنشئة الاجتماعية في معالجة المشكلات التي تواجه الأطفال أياً كان نوعها. من هنا سوف نسلط الضوء على أهمية وسائل الإعلام في التوعية بمخاطر العنف ضد الأطفال لعل أهمها ما يلي: (جودي و جمعي، 2023، الصفحات 107-108)

  • بناء شخصية الطفل وتوسيع قدراته وزيادة علاقاته الاجتماعية وهذا يحدد بناءً على أن الوسائل الإعلامية لا تقتصر على مجال معين أو بُعد ما، فهي منتشرة في كل مكان وهذا ما يعطيها دورًا إيجابيًا في طرح برامجها وأطروحاتها النظرية عبر وسائل الإعلام المختلفة، وهذا من شأنه أن ينمّي مظاهر الوعي بحقوق الطفل وآليات التعامل معه.
  • تنمية القدرة الأدبية لديه وجعل حسه مرهفاً وذوقه سليمًا وتنمية معارفه اللغوية، وهي بذلك تؤدي دورًا مهمًا في تنشئته الاجتماعية سواء من خلال البرامج المعروضة عبر شاشات التلفاز، والتي من شأنها تنمية قدراتهم اللغوية والإبداعية والفكرية.
  • توصيل الرسائل الإيجابية إلى قطاع – جمهور عريض من المجتمع، نظراً لكون وسائل الإعلام  تمتلك قدرة فائقة على توصيل الرسائل في نفس اللحظة إلى جمهور عريض ومتباين الاتجاهات والمستويات، وهذا يمنحها قدرة كبيرة في طرح برامجها الإعلامية وخلق رأي عام بشأن مخاطر العنف تجاه الأطفال بدلاً من اختزالها في برنامج معين، أو قضية ما.
  • تغيير القيم والعادات والمفاهيم التقليدية السائدة داخل المجتمع، وهذا يعد شكلاً مهماً من أشكال الوعي الإعلامي تجاه العنف السائدة في المجتمع، حيث يقع على عائق وسائل الإعلام أيًا كان نوعها بَثَّ القيم الإيجابية وتغيير المفاهيم السائدة حول زيادة مظاهر العنف تجاه الأطفال، من خلال عرض البرامج التربوية الهادفة، واستضافة الخبراء المتخصصين من أجل العمل على تشكيل الوعي الإيجابي تجاه الأطفال.

2. دور وسائل الإعلام في التوعية بمخاطر العنف ضد الأطفال

يحظى الإعلام بأهمية كبيرة نظراً لدوره الهام والفعال في بناء المجتمع من خلال تأثيره بسًلم المعرفة والتطور المجتمعي فهو ليس حالة آنية أو ظرفية مؤقتة بل هو وسيلة لنقل الأفكار والمعتقدات من جيل لآخر، والتأثير بسلوك الإنسان ووعيه في جميع مراحل حياته سواء أكان طفلاً أم بالغاً أم كبيراً في السن. وبناءً عليه أشارت العديد من الدراسات منها دراسة (جودي و جمعي، 2023، الصفحات 109-110) ودراسة (العطار، 2019، صفحة 5) ودراسة (طالة، 2020، الصفحات 248-249)  إلى الدور الإيجابي لوسائل الإعلام لأجل التوعية بمخاطر العنف ضد الأطفال نذكر أهمها ما يلي:

  • تنفيذ الحملات الإعلامية: برزت العديد من الحملات الإعلامية في الوطن العربي التي تناولت ظاهرة العنف ضد الأطفال، ومن أهمها قيام الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالشراكة مع المجلس العربي للطفولة والتنمية بحملات التوعية لحماية الأطفال والتي تضم سلسلة من الفيديوهات تحت عنوان” ألف جيجا وجيجا” بمشاركة أكثر من 150 شخصًا من ممثلي الآليات الوطنية المعنية بالطفولة في الدول العربية والمجتمع المدني والمنظمات الإقليمية ذات الصلة، وفي هذا الصدد أكدت السفيرة “هيفاء أبو غزالة” على أن وسائل الإعلام لها دور بارز في رسم سلوك الطفل وتفكيره ؛ نظراً لما تشكله هذه التقنيات من موارد ثقافية ومعرفية للأطفال في رسم سلوكياتهم وتحديد الطريقة التي ينظرون بها إلى الأشياء من خلال المحتوى الذي يتعرضون له والذي على أساسه يتكون سلوكهم وتفكيرهم.  إلى جانب تنفيذ الحملات الإعلامية فقد أوصى مجلس وزراء الإعلام العربي في دورته (51) بتاريخ 26-6-2021م، العمل على تخصيص مساحة ضمن برامجها  لبَثِ الأعمال التلفزيونية الخاصة بالحملة الإعلامية لتوعية الأطفال في وسائل الإعلام عبر إنتاج العديد من البرامج والأفلام التوعوية وفق أهداف التنمية ومواثيق حقوق الطفل التي تراعي تنمية وحماية الأطفال للمجلس العربي للطفولة والتنمية من خلال تزويد الأفراد بالمعلومات والمفاهيم والحقائق المتعلقة بالأخطار الناتجة عن ظاهرة العنف وأسبابها والطرق والأساليب المطلوب اتباعها لتفادي وقوعها.
  • إعداد رسائل إعلامية ذات منفعة عامة وبَثَّها عبر الوسائل الإعلامية في شكل ملصقات يتم عرضها في الأماكن العمومية. يعد الملصق من أفضل الوسائل الإعلامية وأكثرها كفاءة لتحفيز مضمون الرسالة الإعلامية وجذب انتباه الجمهور  بهدف حماية حقوق الطفل من خطر العنف الذي يتعرض له.
  • نشر الوعي بحقوق الأطفال ومظاهر العنف التي يتعرضون لها وهذا لن يتسنى إلا من خلال توظيف قدرات العاملين في المجال الإعلامي وتدريبهم، مع التزام القنوات الفضائية بإنتاج برامج تسهم في تمكين الأطفال من التمتع بحياة خالية من العنف، والاستفادة من الفواصل الإعلانية لأجل بثَّ رسائل توعوية عن الأثار السلبية لظاهرة العنف ضد الأطفال.
  • تشفير الفضائيات الساعية إلى العنف، والعمل على إنتاج برامج إذاعية وتلفزيونية للأطفال تتلاءم مع الثقافة الإيجابية وتلبي احتياجات الطفل ونموه، مع التركيز على إنتاج مسلسلات وبرامج تبرز مخاطر العنف الموجهة نحو الأطفال، يتشارك في إنتاجها أساتذة في علم النفس والتربية والشريعة الإسلامية والفكر بالتعاون مع المؤسسات والهيئات المهتمة بشؤون الطفل، وهذا من شأنه أن يطور من أداء العاملين في الإعلام والنهوض به خاصة في ظل التنافس الإيجابي من قبل بعض الفضائيات الإعلامية نحو طرح وعرض بعض الأفلام الأجنبية، والتي من شأنها أن تزيد من حدة العنف بين صفوف الأطفال والتأثير سلباً على مسلكياتهم الأخلاقية وزيادة حدة الاضطرابات النفسية والاجتماعية فما بينهم.
  • تلعب وسائل الإعلام دورًا كبيرًا في عملية التنشئة للطفل كونها تتضمن معلومات مقروءة ومرئية ومسموعة، إذ يقصد من عرضها وتقديمها للجماهير إحداث تغييرات وتأثيرات متعددة، باعتبار أن التنشئة الاجتماعية عملية تربوية تسهم فيها وسائط تربوية متعددة على نحو مقصود وغير مقصود، وتتمثل بالفكر والقيم والمعايير والرموز التي تشيع في الحضارة فتتحول من مجرد كائن بيولوجي إلى إنسان ناضج مؤهل يشغل حيزاً مهماً في الجماعة التي ينتمي إليها. لذا وجب على وسائل الإعلام أن يكون لها دوراً مؤثراً في إعداد الأطفال وصقل مواهبهم من خلال ما تقدمه لهم من برامج توعوية وتنموية عبر وسائلها المختلفة. 
  • تنمية الحس الجمالي لدى الأطفال: حيث تعطي الطفل إحساسًا باللون والشكل والإيقاع الصوتي الجميل وتناسق الحركة وملاءمة أجزاء الصورة بعضها لبعض. وفي هذا الصدد يشير العلماء التربويون إلى الحاجات الأساسية للطفل وهي الحاجة إلى الغذاء والأمن والمغامرة والخيال والجمال والمعرفة وأفلام الكرتون والرسوم المتحركة، والأخيرة لها دور مهم في غرس القيم التربوية لدى الأطفال فهي تقدم أمثلة واقعية وتطبيقية للصدق والوفاء والتعاون ومساعدة المحتاجين وتقديم يد العون للفقراء وحب الوالدين واحترام الأجداد والمعلمين والكبار.

إن تعاظم الدور الإيجابي لوسائل الإعلام  وتسخير أدواتها وبرامجها الإعلامية في توعية المجتمع وتعريفه بظاهرة العنف ضد الأطفال، من شأنه أن يؤدي إلى زيادة الوعي داخل أفراد المجتمع الواحد، وهذا لن يتم إلا بتشابك جميع الجهود والأدوار الإعلامية والمجتمعية والثقافية والفكرية لأجل بناء بيئة صحية متوازنة يسودها التفاهم والسلام المجتمعي فيما بينهم.

3. آليَّات وسائل الإعلام للتوعية بمخاطر العنف ضد الأطفال

هناك عدة آليَّات تقع على عاتق وسائل الإعلام القيام بها للتوعية بمخاطر العنف ضد الأطفال لعل أهمها ما يلي:

  • الرقابة الإعلامية على البرامج المعروضة في وسائل الإعلام: في ظل التطور والانفتاح التكنولوجي لم تعد البرامج الإعلامية مقتصرة على فئة أو شريحة عُمرية مِمّا يجعلها متاحة أمام جميع الفئات خاصة الأطفال فهم الأكثر عُرضة للمشاهدة، مِمّا يتوجب على الجهات العليا الأخذ بالحسبان نشر البرامج التي تتسم بالإيجابية والأخلاق الحميدة التي تغرس في نفوس الأطفال مثل: الصدق وحب الخير والإيثار، فهي تنمي لديهم مهارة التفكير والوعي الإيجابي بعيداً عن البرامج التي تبعث على العنف والتي من شأنها أن  تزيد من حدة التوتر والانفعالات النفسية والاجتماعية فيما بينهم. 
  • استضافة وسائل الإعلام الخبراء وذوي الاختصاص من التربويين والاخصائيين الاجتماعيين ورجال الفكر والشريعة الإسلاميةسواء ضمن برامج مُعدة مسبقًا سواء كان ذلك في  المناسبات المحلية أو الدولية كيوم الطفل العالمي وغيرها للوقوف على أبرز المخاطر التي يتعرض لها الأطفال.
  • تقديم برامج ثقافية تتناسب مع المرحلة العمُرية للأطفال حيث أن العديد من البرامج تبقى عالقة في ذاكرة الأطفال وهذا من شأنه أن يترك أثرًا إيجابًا  أو سلبًا على ذاكرتهم وسلوكياتهم خاصة وأن العديد من القنوات الفضائية تعذي برامجها سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بالعديد من البرامج التي تحاكي العنف، وهذا من شأنه أن يترك أثرًا سلبيًا على الجانب النفسي والاجتماعي وإصابتهم بالعديد من الأمراض النفسية وحالات الخوف والقلق والتوتر النفسي وغيرها من الأمراض النفسية والاجتماعية المختلفة.
  • تشجيع الباحثين في المؤسسات الإعلامية والتربوية والنفسية والاجتماعية على تقديم أوراق علمية ذات صلة بالعنف، فمن خلال هذه الدراسات يقدم الباحثون خلاصة أفكارهم وتجاربهم وخبراتهم العلمية في استخلاص العديد من النتائج التي سوف يستفيد منها التربويين والإعلاميين والأسر ومعدي البرامج في التخطيط الواعي لإنتاج برامج تراعي خصوصيات وثقافة وعادات المجتمع. 

استنادًا  لما سبق، ورغم أن وسائل الإعلام سلاح ذو حدين إلا أن دورها في التوعية بمخاطر العنف خاصة تجاه الأطفال، يجب ألّا يكون مرحليًا؛ بل يجب أن يتسع مداه  ليشمل كل وسيلة إعلامية سواء محلية أو دولية وأن تحرص في برامجها الإعلامية التركيز على مفهوم العنف وأسباب انتشاره لكي لا يتفاقم ويصبح ظاهرة منتشرة في كافة المجتمعات مِمّا يصعب حينها السيطرة عليه وضبطه.

قائمة المراجع

جودي عبدالعزيز ، وجمعي سجية. (2023). دور وسائل الإعلام والاتصال في التوعية بمخاطر العنف ضد الأطفال من الوسائل التقليدية إلى مواقع التواصل الاجتماعي. مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، مج24(ع02)، 99-116.

طالة لامية. (2020). تأثير مشاهد العنف في التلفزيون على تعزيز السلوك العدواني لدى الطفل: قراءة للتأثيرات وتصور لآليات الوقاية. مجلة التمكين الاجتماعي، مح02(ع03)، 245-269.

العطار محمود. (2019). العنف ضد الأطفال: أسبابه ونتائجه. مجلة خطوة(ع35)، 17-19.

د. معاذ صبحي عليوي

باحث فلسطيني – دكتوراة في الإدارة والسياسة العامة- كاتب بمجلة إشراق العمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *