قراءة وطنية في قضايا العمل والاقتصاد الاجتماعي

عُمان هي الوطن الأسمى والأغلى في قلوبنا؛ ليست مجرد رقعة جغرافية أو خزينة موارد، بل روحٌ تسري في دمائنا وتربةٌ نُحيا عليها، هي الأرض التي نفديها بأرواحنا، والوطن الذي يتجذّر حبّه في وجدان كل عُماني. هذا الارتباط العميق لا تهزه الأزمات ولا تنقصه المواقف، بل يشتد رسوخًا مع كل تحدٍ، فحبّ عُمان انتماءٌ خالد، نسقيه بوفائنا، ومهما حاول البعض المساس به أو النيل منه سيظل راسخًا إلى الأبد.
ومع ما نشهده اليوم من متغيرات متسارعة وأزمات اقتصادية، برزت مجددًا قضايا وطنية جرى الحديث عنها سابقًا وتحذير من آثارها المستقبلية على الاقتصاد الوطني والأوضاع الاجتماعية، وفي مقدمتها قضية الباحثين عن عمل والمسرّحين من وظائفهم؛ فقد شكّلت هذه القضايا خلال السنوات الماضية إشكاليات وطنية متراكمة، لا يمكن التعامل معها بحلول وقتية أو إجراءات قصيرة المدى، فصون الحياة الكريمة للمواطن وتوفير فرص عمل مستقرة تضمن له مصدر دخل آمن هو ركن أساسي في أي دولة مسؤولة، وهو أمر يستدعي قراءة معمّقة للواقع وتحليلًا جادًا لجذور المشكلة.
ولم يكن مستغربًا — في ظل هذه التحديات — أن نشهد تداعيات اجتماعية مؤلمة، إلى أن وقعت فاجعة أسرة العامرات التي فقدنا فيها أسرة كاملة، لأسباب متعددة لا نود الخوض فيها، إنما نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأل الله لهم الرحمة والمغفرة والعتق من النار.
لقد كشفت هذه الأزمة، وغيرها من الأزمات المتعاقبة، أن منظومة الحماية الاجتماعية لم تتمكن بالشكل المأمول من تحقيق أهدافها في ضمان حياة كريمة وآمنة للمواطنين، لاسيما الفئات الأكثر حاجة إلى الدعم المادي والمعنوي، وقد أفرز ذلك واقعًا جديدًا يتطلب معالجة جادة وفعّالة تمسّ حياة المواطن مباشرة.
فهذا الالتزام أكده النظام الأساسي للدولة، بوصفه الإطار الذي ينظم العلاقة بين الدولة والمواطن، ويحدد مسؤوليات المؤسسات المعنية تجاهه، ومن ثمّ، يقع على عاتق هذه المؤسسات واجب العمل على معالجة كافة الإشكاليات المرتبطة بالحماية الاجتماعية، وبما ينسجم مع متطلبات الواقع ويستجيب لاحتياجات الناس بصورة ملموسة.
وتُعدّ منظومة العمل معنيّة بشكل مباشر بتأمين فرص العمل للمسرّحين، وبإيجاد إطار قانوني واضح يضمن الأمان الوظيفي للمواطن، فلا يمكن القبول بأن تقوم مؤسسة ما بتسريح العاملين العُمانيين، وفي الوقت نفسه تزيد من أعداد العمالة الوافدة، بينما تحقق أرباحًا مرتفعة وتواصل توسعها في السوق، إن مثل هذا الوضع يستدعي وقفة جادة لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، من خلال تطبيق الأنظمة والقوانين التي تكفل حماية المواطن العُماني وتعزز ثقته في القطاع الخاص وتشجع الشباب على الالتحاق به.
إذ يمثل تسريح المواطنين من وظائفهم في القطاع الخاص أزمة مترابطة التأثيرات، تتجاوز البعد الاقتصادي الفردي لتصل إلى المجتمع ومنظومة الحماية الاجتماعية بأكملها، فعلى المستوى الأسري، يؤدي فقدان الأب للعمل إلى اضطراب مباشر في الاستقرار المالي، مما ينعكس على قدرة الأسرة في تلبية احتياجاتها الأساسية من سكن وتعليم ورعاية صحية، أما الأطفال فيتحملون العبء الأكبر، حيث تتأثر صحتهم النفسية وشعورهم بالأمان، وعلى مستوى المجتمع، يفاقم التسريح غير المنظم حجم البطالة، ويرفع من نسب الاعتماد على الدعم الحكومي والمجتمعي، مما يخلق ضغطًا كبيرًا على منظومة الحماية الاجتماعية التي تصبح مطالبة بالتدخل لتعويض الدخل وتأمين المعيشة للمسرَّحين، في وقت قد تواجه فيه تحديات مالية مرتبطة بالاستدامة، كما يسهم هذا الواقع في فقدان الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويُضعف روح الانتماء والمشاركة، وقد يفتح المجال لظهور مشكلات اجتماعية مثل تراجع الإنتاجية، وزيادة السلوكيات السلبية، وتنامي الشعور بالإقصاء وعدم العدالة، وعليه، فإن تسريح المواطنين ليس مجرد واقعة وظيفية، بل أزمة اجتماعية-اقتصادية شاملة تمس الأمن الاقتصادي للأسرة، وتؤثر في سلامة المجتمع.
في ذات الوقت تشير الإحصاءات إلى تزايد ملحوظ في أعداد العمالة الوافدة خلال العامين الماضيين إذ بلغت حوالي (2,325,177) أي ما يعادل 43.4% من إجمالي السكان، وهو ما يؤكد أن القطاع الخاص ما يزال يعمل وينمو ويحقق الأرباح وفق المؤشرات الاقتصادية المتاحة، فكيف يمكن تبرير تسريح المواطنين من مؤسسات لا تزال قائمة بأعمالها ومشاريعها وتحقق عوائد مالية؟
إن الأصل أن يكون التسريح مبررًا فقط في حالات الإفلاس الحقيقي والتوقف الكامل عن العمل، لا في المؤسسات التي ما زالت قادرة على الاستمرار والإنتاج!!!! وهنا أؤكد أن الحديث ينصرف إلى المؤسسات الكبرى، وليس إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تعاني في الوقت الراهن من محدودية قدرتها على توفير فرص العمل، إلا في نطاق ضيق؛ فهذه المؤسسات ما زالت في مرحلة بناء مكانتها وتعزيز حضورها في السوق، ولا يمكن تحميلها مسؤوليات تفوق طاقتها قبل أن تترسخ وتستقر تجاريًا واقتصاديًا.
أما قضية الباحثين عن عمل، فهي تأتي في المرتبة الثانية من حيث تأثيرها المباشر على منظومة الحماية الاجتماعية وعلى الاقتصاد الوطني، فهناك معادلة مالية ينبغي التوقف عندها بجدية، تتمثل في حجم ما يُنفق على الشباب العُماني من تعليم وتدريب وتأهيل، سواء داخل السلطنة أو في مؤسسات أكاديمية مرموقة حول العالم، وبعد كل هذا الاستثمار الكبير، نجد بعض هؤلاء الشباب، من حملة الشهادات العليا، جالسين أمام أبواب منازلهم ينتظرون فرصة عمل… أليس في ذلك خسارة وطنية واضحة؟
فإذا لم تُفتح أمامهم أبواب العمل في القطاع الخاص أو القطاع الحكومي، فلمن نُعِدُّ هؤلاء الشباب إذن؟ ولماذا ما زالت الأفضلية تُمنح للوافد ليستفيد من خيرات هذا الوطن؟ إن الشاب العُماني حين يعمل، فإنه لا يحقق دخله فقط، بل يخفف العبء عن منظومة الحماية الاجتماعية، ويُسهم بطريقة مباشرة وغير مباشرة في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لأسرته.
أما الادعاء بأن العامل الوافد منخفض الأجر أقل كلفة على الاقتصاد، فهو نظرة قاصرة؛ إذ يجب النظر إلى الأمر من منظور وطني عقلاني، فالمؤسسات الخاصة تستفيد من الفرص الاقتصادية المتاحة في عُمان، ومن واجبها أن تساهم في المقابل بتوفير فرص عمل حقيقية للمواطنين، وإن لم تقم بهذا الدور، فلا مبرر لاستمرار تقديم التسهيلات والدعم الاقتصادي لها دون عائد يعود بالنفع على أبناء الوطن.
وتمتلك الجهات المعنية بالإشراف على هذا القطاع كل الأدوات والإجراءات والأنظمة الكفيلة بتمكين الشباب العُماني من الحصول على الفرص الوظيفية المناسبة، وبحماية العاملين في القطاع الخاص من مخاطر التسريح غير المبرر. ومع ذلك، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى سنستمر في الاعتماد على الحلول الوقتية لمعالجة إشكاليات تتصاعد مؤشراتها عامًا بعد عام، في مجتمع صغير لا يتجاوز عدد مواطنيه ثلاثة ملايين نسمة، بينهم تقريبا مليون طفل…؟
إن عُمان التي أحببناها وانتمينا إليها قلبًا وروحًا، تستحق أن نبذل من أجلها كل جهد لصون كرامة إنسانها وتعزيز أمنه المعيشي والاجتماعي. فالقضايا التي طُرحت — من تسريح المواطنين، وتزايد الباحثين عن عمل، وتحديات منظومة الحماية الاجتماعية — ليست مجرد أرقام أو ملفات عابرة، بل هي قضايا تمسُّ جوهر الاستقرار الوطني ومستقبل الأجيال، وإن بناء اقتصاد مستدام لا يتحقق إلا عندما يكون المواطن في صدارة الأولويات، مشاركًا فاعلًا في التنمية ومحصّنًا بأنظمة عادلة تضمن فرصًا متكافئة للجميع.
وقد أثبتت التجارب أن الحلول الوقتية لا تبني أوطانًا، ولا تعالج جذور المشكلات، ولا تحقق الطموحات التي نرجوها لوطننا الغالي، إننا بحاجة إلى رؤية أعمق، وإلى قرارات جريئة، وإلى تفعيل حقيقي للأنظمة التي وُضعت لحماية المواطن وتمكينه، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.



