قراءة فلسفية في السلوك البشري في المؤسسات

ليس العنف فعلاً جسديا فقط، بل يتشكل في العقل قبل أن يتحول  إلى سلوك عدائي.

الإنسان، بوصفه الكائن الأكثر وعيًا على هذا الكوكب، يعيش دائمًا في منطقةٍ وسطى بين نزعتين متعارضتين: نزعةٍ تدفعه إلى البقاء والبناء، وأخرى تستدرجه إلى الإيذاء والاعتداء. وفي هذا التوتر الخفي بين النزعتين تتشكّل رؤيته للعالم، ويتحدد موقعه من ذاته ومن الآخرين، فليس كل من يسعى إلى الصدارة مؤهلًا لها، وليس كل طموح دليلًا على الجدارة؛ إذ قد يتحوّل الطموح، حين ينفصل عن العمل والكفاءة، إلى وهمٍ يسعى صاحبه إلى تعويضه بوسائل ملتوية.

في مثل هذه الحالات، لا يعود التنافس فعلًا إنسانيًا نبيلاً، بل يتحوّل إلى ممارسة قَلِقة تقوم على ترصّد العثرات، وصناعة الشكوك، وانتظار سقوط الآخرين لا من أجل التعلّم، بل من أجل التقدّم على أنقاضهم، وكأن بعض العقول تختصر الطريق إلى المكانة عبر الإقصاء بدل الإنجاز، وعبر الهدم بدل البناء، متناسية أن ما يُنتزع بالخديعة لا يستقر، وما لا يقوم على استحقاق يظل هشًّا مهما بدا صلبًا.

وهؤلاء ليسوا استثناءً في المجتمع ولا في المؤسسات؛ إنهم حضور متكرر في التجربة الإنسانية، يفتقرون إلى القدرة على الإنتاج، لكنهم يملكون وعيًا مضطربًا بقيمتهم الناقصة، فيسعون إلى تعويض هذا الفراغ بالسيطرة على الآخرين، أو بتقزيمهم، أو بكسر دوافعهم نحو الحق والإنجاز، وهنا يصبح الإيذاء لغة بديلة عن العمل، ويغدو الاعتداء فعلًا دفاعيًا عن ذاتٍ تخشى أن تُرى على حقيقتها.

وفي المقابل، يكشف هذا المشهد أن القوة الحقيقية لا تنبع من إقصاء الآخرين، بل من القدرة على تجاوز هذا الميل الغريزي نحو الإيذاء، واختيار البناء فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون خيارًا عمليًا، فالتاريخ، في جوهره، لا يتذكّر من انتصر بالخديعة، بل من قاوم ضعفه، وسمح لوعيه أن ينتصر على نزعاته.

إنّ الرغبة في الإيذاء لا تنبع دائمًا من شرٍّ خالص، بل كثيرًا ما تكون انعكاسًا لعقلٍ مأزوم يرى في نجاح الآخرين تهديدًا مباشرًا لوجوده الرمزي أو لقيمته الذاتية، ومن هنا تتشكّل إحدى أخطر الإشكاليات في بيئات العمل المؤسسي، حين تتصدّر القيادة عقولٌ تعجز عن التمييز بين الكفاءات القادرة على تحقيق الإنجاز الحقيقي والمؤشرات الموضوعية، وبين أولئك الذين يتقنون صناعة الوهم، وتمجيد القيادات، وتغذية نزواتها، بعيدًا عن المصلحة المؤسسية أو الأهداف الاستراتيجية.

في مثل هذه البيئات، لا يُكافأ العمل بقدر ما يُكافأ الولاء، ولا يُحتفى بالإنجاز بقدر ما يُحتفى بالطاعة، فتُتاح الفرص للضعفاء لا لأنهم الأجدر، بل لأنهم الأقل تهديدًا، بينما تُحاصَر الكفاءات وتُحارَب لا لقصورها، بل لقدرتها على إحداث التغيير وصناعة نجاحات قد تُربك بنية القيادة العليا، أو تكشف هشاشتها، وهكذا يتحوّل الخوف من السقوط إلى دافعٍ للإقصاء، ويغدو الإيذاء ممارسة دفاعية هدفها الحفاظ على المكانة الوظيفية لا حماية المؤسسة.

ومن منظور فلسفي، يمكن قراءة هذا السلوك كبصمة لصراع داخلي مزدوج: ضعف في الفكر، وهشاشة في القدرة على الإنتاج من جهة، ورغبة جامحة للعلو والمكانة الاجتماعية أو الوظيفية من جهة أخرى. وبين هذين القطبين المتعارضين يتشكل سلوك إنساني معقد، يختار في كثير من الأحيان طريق الاعتداء على الآخرين بدل المنافسة، ويستعيض عن البناء والإبداع بمحاولات الهدم والمناورة والتلاعب، معتقدًا أن إضعاف الآخرين وعرقلة مساعيهم هو أقصر الطرق لتحقيق الذات والحفاظ على المكانة. وما يجعل هذا السلوك مأساويًا هو أن الفرد يختار، غالبًا بلا وعي كامل، طريق التدمير ظنًّا منه أنه السبيل للبقاء والاعتراف، متناسيًا أن القيمة الحقيقية تأتي من الإنجاز والمسؤولية، لا من الإقصاء والسيطرة.

والمفارقة الكبرى أن أكثر من يتعرّضون للإيذاء داخل المؤسسات هم في الغالب الأكثر قدرة على صناعة الإنجاز الحقيقي؛ لأنهم لا يعملون بدافع الحفاظ على الكرسي، بل بدافع إثبات الذات عبر العمل، ولا تحرّكهم حسابات البقاء الوظيفي بقدر ما تقودهم المبادئ والقيم الأخلاقية، والشعور العميق بالأمانة المهنية في أداء الواجب، إن خوفهم ليس خوفًا من العقاب، بل خشيةٌ صادقة من التفريط في القيم الوظيفية، أو الوقوع في تقصير يمسّ جوهر الرسالة المؤسسية.

وهنا تتجلّى حقيقتهم؛ فهم يمتلكون أدوات التفكير النقدي، والقدرة على تحليل المواقف وتفسيرها بوعي، إلى جانب الميل إلى الابتكار والرغبة في التغيير الإيجابي، والتمسّك بقيم فاضلة لا تخضع للمساومة، غير أنّ هذه الصفات، في المفارقة ذاتها، تتحوّل إلى مصدر تهديد للقيادات الضعيفة ومن يدور في فلكها، لأنها تكشف هشاشة السلطة القائمة على الخوف لا على الكفاءة، وعلى الولاء لا على الإنجاز.

تعجز كثير من النظريات النفسية عن الإحاطة بالتفسير العميق للسلوك البشري، خاصة في تلك المساحة الرمادية الفاصلة بين ما يُظهره الإنسان من رغبات معلنة، وما يُخفيه وعيه الداخلي من دوافع متناقضة، وبين ما يمارسه فعليًا من سلوك عدائي يتجلّى في إقصاء الآخرين ومحاربتهم، فالسلوك الإنساني، في جوهره، لا يُقرأ من خلال الخطاب فقط، بل من خلال الأفعال التي تكشف ما لا تستطيع اللغة إخفاءه.

والمفارقة الأشد إيلامًا أن أمثال هؤلاء لا يبقون في الهامش طويلًا، بل يصعدون سريعًا في السلّم الوظيفي، لا لما يمتلكونه من كفاءة أو رؤية، بل لما يتقنونه من طاعة عمياء، وصمتٍ مريح للقيادات، وقدرةٍ على تمجيد القرارات مهما بلغت درجة فشلها. وهكذا يُعاد إنتاج الرداءة داخل المؤسسة، لا بوصفها خللًا عابرًا، بل كنمطٍ مستقرّ تُكافَأ فيه السلبية، ويُهمَّش فيه كل صوت نقدي أو فكر إصلاحي.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قيادة إصلاحية لا ترى في السلطة امتيازًا، بل مسؤولية أخلاقية، ولا تتعامل مع المنصب باعتباره غاية، بل أداة لتحقيق الأهداف العليا للمؤسسة، وأن قوة المؤسسة لا تُقاس بمدى خضوع موظفيها، بل بقدرتهم على التفكير، والنقد والمبادرة والإنجاز. فالقيادة الإصلاحية لا تخشى العقول الواعية، ولا ترتاب من النجاح حين يتحقق خارج دائرتها الضيقة، لأنها ترى في كل إنجاز مؤسسي امتدادًا لرسالتها لا تهديدًا لمكانتها، وهي قيادة تُعيد ترتيب الأولويات، مؤمنةً بأن المؤسسات لا تنهض بالولاءات المؤقتة، بل بالثقة، والعدالة، ووضوح المعايير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *