ماذا نريد من التعليم؟

في عام 2016 صدر لي أول مؤلف علمي بعد رحلة امتدت خمس سنوات من البحث والتقصّي والقراءة المنهجية، حمل عنوان “التعلّم البنائي: النظرية والتطبيق” ولم يكن هذا الكتاب نتاجًا للتأمل النظري فحسب، بل جاء ثمرة تجربة تطبيقية ميدانية واسعة، شملت تدريب مجموعة من المعلمين على استراتيجيات التعلّم البنائي على مدى عامين متواصلين. وقد أتاح هذا التطبيق الميداني فرصة حقيقية لمتابعة المعلمين أثناء تنفيذ الجانب العملي داخل الصفوف الدراسية، ورصد أثر ذلك مباشرة على أداء الطلبة، وأظهرت النتائج تحولات ملموسة في ممارسات التعلم لدى الطلبة، تمثلت في تنمية مهارات التعلّم الأساسية.
ورغم التحديات التي واجهت المعلمين في المراحل الأولى من التطبيق، إلا أن ما لمسوه من تغيّر نوعي في تفاعل الطلبة، وقدرتهم على التفكير، وبناء المعرفة بأنفسهم، عزّز لديهم الإحساس بقيمة التجربة وحجم الإنجاز المحقق، وهذا التحول من التركيز على المحتوى إلى التركيز على المهارة هو جوهر التعلّم البنائي وغايتُه الأساسية، إذ يسعى إلى بناء متعلم فاعل، ناقد، وقادر على توظيف المعرفة في سياقات الحياة المختلفة.
لم تعد النظرية البنائية إطارًا فكريًا حديث النشأة، بل تمتد جذورها في الفكر الإنساني إلى إسهامات عدد من الفلاسفة والمفكرين، بدءًا من أفلاطون، ومرورًا بعدد من رواد الفكر التربوي، وصولًا إلى جان بياجيه، الذين أكدوا أن الإنسان يمتلك قدرة فطرية على بناء معرفته ذاتيًا اعتمادًا على بنيته العقلية وخبراته السابقة. وتنطلق النظرية البنائية في جوهرها من أساس فلسفي يرى أن المعرفة ليست كيانًا جاهزًا يُنقل إلى العقل، بل بناءٌ عقليٌّ يتشكل تدريجيًا من خلال تفاعل الإنسان مع العالم من حوله، ووفق هذا المنظور، فإن الحقيقة المعرفية لا تُستقبل بصورة سلبية، بل تُبنى من خلال التأمل، والتجريب، والصراع المعرفي الذي يدفع العقل إلى البحث عن الاتزان والفهم. إذ يصبح المتعلم فاعلًا في إنتاج المعرفة، لا مجرد متلقٍ لها، ويصبح التعلم فعلًا فلسفيًا قبل أن يكون إجراءً تربويًا، يقوم على الإيمان بقدرة العقل الإنساني على الفهم والاكتشاف وبناء المعنى.
إذ ترى أن التعلم عملية عقلية نشطة، يحدث فيها البناء المعرفي عندما يتعرض المتعلم لما يُعرف بـ”الضغوط المعرفية” أو حالات عدم الاتزان العقلي، التي تدفعه إلى التفكير، وطرح الفرضيات، والبحث عن تفسيرات وحلول، ثم اختبارها من خلال التفاعل مع الموقف التعليمي، وصولًا إلى إعادة تنظيم المعرفة وتعديل البنية العقلية القائمة.
ولا يُعد توظيف هذا المنحى أمرًا معقدًا في المواقف التعليمية متى ما توفرت بيئة تعليمية فاعلة، قائمة على إثارة التساؤل، وتشجيع الاستقصاء، وتوفير فرص الحوار والتجريب، إلى جانب وجود منظومة منهجية بنائية تُصمم المحتوى والأنشطة وفق تسلسل معرفي يراعي طبيعة البناء العقلي للمتعلم. وفي هذا السياق، يتجلى الدور المحوري للمعلم، لا بوصفه ناقلًا للمعرفة، بل ميسّرًا لعملية التعلم، ومخططًا واعيًا لمواقف تعليمية تُحفّز التفكير، وتُوجّه المتعلمين نحو بناء معرفتهم بأنفسهم، وتحقق في الوقت ذاته الأهداف التعليمية المنشودة.
ورغم مرور سنوات طويلة على تداول مفاهيم التعلّم البنائي وغيره من أنماط التعلّم التي تركز على تنمية القدرات العقلية للمتعلم وتحويله من متلقٍ للمعرفة إلى منتج لها، إلا أن الحاجة إليها اليوم أصبحت أكثر إلحاحًا؛ فنحن نعيش مرحلة حضارية انتقالية تتجه نحو الثورة الصناعية الرابعة، التي جعلت من العقل البشري محور التنمية وأساس التقدم، بوصفه المورد الحقيقي للحضارة، لذا جاء الذكاء الاصطناعي ليُعمّق هذه الفلسفة، ويوجه العالم نحو الاستثمار في العقل الإنساني بوصفه طاقة إنتاجية قادرة على الابتكار والتغيير.
وإذا لم يتغير فهمنا للتعليم ووظيفته، فإننا نخاطر بالعيش في مراحل متأخرة من الجمود المعرفي، والعجز عن مواكبة متطلبات الحضارة الحديثة، ومن هنا تبرز تساؤلات جوهرية تفرض نفسها: ماذا نريد اليوم من التعليم؟ وكيف يمكن إحداث التغيير الحقيقي في عقول طلابنا؟ وهي تساؤلات لا تُطرح ترفًا، بل في مرحلة تاريخية تتطلب تحولًا جذريًا في الرؤية والممارسة التربوية.
إن التحولات العالمية المتسارعة، بما تحمله من ثورات معرفية وتقنية واقتصادية، لم تعد مجرد سياق خارجي يؤثر في التعليم، بل أصبحت مصدرًا ضاغطًا لإعادة بناء فلسفته ووظيفته، ففي عالم تحكمه اقتصاديات المعرفة، والذكاء الاصطناعي، وتسارع إنتاج المعلومة، لم يعد التعليم القائم على النقل والحفظ قادرًا على الاستجابة لمتطلبات العصر، ومن هنا تبرز أهمية الإطار الفلسفي للنظرية البنائية بوصفه مدخلًا لإحداث تحول جوهري في العملية التعليمية، يقوم على بناء العقل الإنساني ليكون قادرًا على الفهم، والتحليل، والابتكار، وصناعة المعنى في سياقات متغيرة.
ويقتضي هذا التحول إعادة تصميم المناهج والممارسات الصفية بحيث تنطلق من مشكلات واقعية مرتبطة بالعالم المعاصر، وتُنمّي لدى المتعلم القدرة على التفكير المركب، والتعلم الذاتي، والتكيف مع التغير، بما يحوّل التعليم من استجابة متأخرة للتحولات العالمية إلى قوة فاعلة في صناعتها. وبذلك يصبح التعلم البنائي أداة استراتيجية لبناء الإنسان القادر على الإبداع، وصناعة الحدث، والمشاركة الواعية في تشكيل مستقبل تتسارع فيه التحولات وتتجدد فيه التحديات.



