الوعي دودةُ تنخر الدماغ (2)

الخطابات السامية للسلطان الراحل قابوس بن سعيد –  طيّب الله ثراه – تمثل في تقديري مدرسةً فكريةً متكاملة، أعود إليها بين الحين والآخر لأستلهم منها ما ينير مسارات التفكير والمعرفة، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع، ومن بين تلك الخطابات أستحضر خطابه عام 2011م، حين قال “لتكون لهم سياجًا يحميهم من التردي في مهاوي الأفكار الدخيلة”

هذا النص في عمقه لا يكتفي بتوجيهٍ آنيّ أو معالجة ظرفية، بل يؤكد فكرة البناء المسبق؛ فكرة أن الحماية الفكرية لا تُصنع عند وقوع المشكلة، بل تُغرس منذ البدايات الأولى لتشكّل ما يشبه “السياج الداخلي” الذي ينمو مع الفرد منذ نعومة أظفاره، فالسياج هنا ليس إجراءً طارئاً، بل منظومة متكاملة من  القيم والوعي والمعايير التي تتشكل تدريجياً حتى تصبح جزءاً من بنية التفكير لدى الفرد، ولا يقف هذا المعنى عند حدود التربية بمفهومها التقليدي، بل يمكن إسقاطه على مختلف جوانب الحياة؛ إذ إن كل مجالٍ إنساني يحتاج إلى ذلك السياج الوقائي الذي يصنعه الوعي المبكر، سواء في الفكر أو في السلوك أو في المواقف.

وفي هذا المعنى يتقاطع توجيه السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-  مع ما يذهب إليه المفكرون والباحثون في رؤيتهم المستقبلية؛ فهؤلاء لا يتعاملون مع الواقع بوصفه لحظةً آنية، بل يقرؤونه كمسارٍ ممتد يحمل في داخله بذور ما سيأتي، ومن خلال ما يمتلكونه من وعيٍ معرفي، واتساع في الاطلاع، وقدرة على التحليل الناقد وتفسير الأحداث، يستطيعون استشراف الإشكاليات قبل حدوثها، ورصد التحولات الكامنة خلف المواقف، لذلك كثيراً ما نجد خطابهم يسبق الزمن، محذّراً من مخاطر محتملة، وداعياً إلى الاستعداد لها، ليس بهدف إثارة القلق، بل من أجل بناء ذلك “السياج المجتمعي” الذي يتشكل من الوعي المتراكم، والتفكير النقدي، وترسيخ القيم التي تمكّن المجتمع من حماية ذاته في مواجهة تحديات المستقبل قبل أن تتحول إلى أزمات واقعة.

هذه الإرهاصات الفكرية التي تميّز المفكرين لم تولد فجأة، ولا تُمنح بالفطرة وحدها، بل تتشكّل عبر رحلة طويلة من القراءة العميقة، والبحث المتواصل، والتقصّي الدقيق، حتى تتراكم لدى المفكر أدوات التحليل الناقد والرؤية الاستشرافية، ومع الزمن يتحول هذا التراكم إلى حالةٍ ذهنية خاصة تُسمّى الوعي؛ وهي ليست مجرد معرفةٍ بالمعلومات، بل قدرة على إدراك ما وراء الظواهر، وربط المؤشرات المتفرقة، وفهم ما تخفيه الأحداث من دلالات مستقبلية.

وفي هذه المرحلة يصبح الوعي أعلى درجات التفكير، لأنه يغيّر طريقة رؤية العالم؛ فالمفكر لا يرى الحدث كما يراه الإنسان العادي، بل يقرأه في سياقاته العميقة، ويحلله، ويستنبط منه معاني جديدة قد لا تبدو ظاهرة للآخرين، غير أن هذا الوعي ذاته يحمل مفارقته المؤلمة؛ إذ يضع صاحبه في حالة يقظةٍ دائمة، تجعله يرى ما لا يُراد له أن يُرى أحياناً، ويشعر بثقل المعرفة قبل أن تتحول إلى واقع ملموس، وهنا يتحقق معنى أن “الوعي دودة تنخر الدماغ”؛ فهو لا يترك العقل يستريح في بساطة اليقين، بل يظل يقضم في داخله بأسئلةٍ وقلقٍ وتوقعات، تدفع المفكر إلى الرغبة في الحديث والتنبيه، ولكن بلغةٍ علمية رصينة، تحاول أن تحوّل هذا القلق المعرفي من عبءٍ داخلي إلى مسؤوليةٍ فكرية تجاه المجتمع.

وهنا تتضح الصلة الفكرية بين ما سبق من حديثٍ عن الوعي بوصفه حالةً استشرافية لدى المفكرين، وبين مقولة السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- “لتكون لهم سياجًا يحميهم من التردي في مهاوي الأفكار الدخيلة” فهذا النص لا يحمل توجيهاً تربوياً مباشراً فحسب، بل يتضمن في جوهره رؤيةً استباقية تقوم على التحذير المبكر والدعوة إلى البناء الوقائي قبل وقوع الخطر، إنه يُخاطب المستقبل بقدر ما يعالج الحاضر، ويؤسس لفكرة أن الحماية الحقيقية لا تُصنع عند لحظة الانحراف، بل تُبنى عبر ترسيخ قواعد فكرية وقيمية متينة قادرة على مواجهة المتغيرات المتسارعة.

وعندما يُنشأ هذا البناء على أسسٍ راسخة من الوعي والمعرفة والتفكير الناقد، فإنه يضمن مساراً وطنياً آمناً يحافظ على الثوابت والاتجاهات المجتمعية، والمعتقدات الدينية، دون أن يفقد توازنه أمام موجات التغيير؛ أما حين يضعف هذا السياج، أو يُهمَل الإنصات لتلك التوجيهات التي تدعو إلى الاستعداد للمستقبل، فإن الإشكاليات حين تقع تصبح أكثر تعقيداً، وتتحول معالجتها إلى كلفةٍ مضاعفة مقارنةً بما كان يمكن تحقيقه عبر الوقاية المبكرة، وهنا تتجلى الحكمة العميقة: فبناء “السياج المجتمعي” في بداياته ليس خياراً فكرياً فحسب، بل هو استثمار استراتيجي يحمي المجتمعات من أزماتٍ كان يمكن تفاديها لو أُخذ التحذير الاستباقي على محمل الجد.

في كثيرٍ من الأحيان يُعاد تشكيل الصورة الظاهرة للواقع بعناية، فتُفلتر تفاصيلها وتُضاف إليها ألوانٌ زاهية لتبدو أكثر جمالاً واتزاناً أمام الآخرين، بما يمنح شعوراً بالاطمئنان تجاه ما يجري من أعمال ومسارات، غير أن هذه الصورة المُحسَّنة تخفي خلفها، إشكالياتٍ عميقة تضغط بصمتٍ على بنية الواقع، وتتراكم تدريجياً دون أن يُراد لها أن تنكشف أو تُناقش، ومع مرور الوقت تكبر هذه الإشكاليات كما تكبر كرة الثلج وهي تتحرك ببطء؛ تبدأ صغيرة لا تُلاحظ، ثم تتضخم شيئاً فشيئاً، حتى تبلغ مرحلة يصبح فيها احتواؤها صعباً، ويصبح التراجع عن آثارها أكثر كلفة وتعقيداً.

وهنا تتجلى بوضوح العلاقة بين هذه الصورة المُجمَّلة وبين ما أشار إليه المفكرون مبكراً حول دور الوعي الاستباقي؛ فحين تُغلَّف الوقائع بسطحٍ لامع يخفي ما تحته من تصدّعات، فإن أول ما يُقصى هو صوت الوعي النقدي الذي يحذّر وينبّه قبل تفاقم المشكلات، لقد اعتاد المفكرون، بحكم يقظتهم المعرفية أن يرصدوا بوادر الخلل في مراحله الأولى، وأن يشيروا إلى المؤشرات الصغيرة التي قد تبدو عابرة للوهلة الأولى، لكنها تحمل في داخلها مسارات خطرة إذا أُهملت، غير أن تجاهل هذه الأصوات، أو التعامل معها بوصفها تشاؤماً أو مبالغة، هو ما يسمح للإشكاليات بأن تنمو في الخفاء، تماماً ككرة الثلج التي تتضخم ببطء بعيداً عن الانتباه.

إن غياب الإنصات المبكر للوعي لا يعني غياب المشكلة، بل يعني فقط تأجيل لحظة مواجهتها حتى تصبح أكثر تعقيداً وكلفة، وهنا تتضح المفارقة فالمفكر حين يحذّر لا يصنع القلق، بل يكشفه؛ والوعي حين ينخر في عمق الواقع لا يهدمه، بل يحاول إنقاذه قبل أن يصل إلى نقطة اللاعودة، لذلك فإن الإشكاليات الكبرى لا تنشأ فجأة، وإنما تنمو تدريجياً في المساحة التي يتركها المجتمع حين يفضّل الاطمئنان إلى الصورة المزيّنة بدلاً من مواجهة الحقيقة التي يراها الوعي مبكراً.

إن الوعي ليس دائما نعمة كما يُصور في الأدبيات التربوية، فثمة وجهٌ آخر له، وجهٌ ثقيل، مُربك، فالوعي في لحظات صفائه الحاد، يشبه دودةً صغيرةً تنخر بهدوٍء في جدار الدماغ، لا تُحدث ضجيجًا، لكنها تستمر في النخر.

فالإنسان العادي يعيش يومه غالبا في منطقة مريحة من اليقين، يقبل ما يُقال، ويطمئن إلى ما هو سائد، ويتكيف مع الواقع دون أن يرهقه السؤال، أما المفكر والباحث فيعيش في منطقة مختلفة تمامًا، منطقة تُضيئها الأسئلة أكثر مما تُطمئنها الإجابات، وهنا يبدأ النخر الحقيقي: نخر الشك، ونخر التحليل، ونخر الرغبة المستمرة في تفكيك ما يبدو بديهياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *