عُمان تتصدر المشهد السياسي في ظل توسّع الصراع الإقليمي

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية في ظل تصاعد التوترات واتساع جغرافية الصراع ذات الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية، حيث لم يرتبط الصراع على المواجهات العسكرية، بل امتد ليشمل الأهداف الاقتصادية والمدنية ومجالات النفوذ الجيوسياسي، إلى جانب أنه على المشاهد السياسي العالمي، وفي خضم هذه التحولات التي تشهدها المنطقة، تبرز سلطنة عُمان باعتبارها نموذجًا للدولة التي تدير سياستها الخارجية بالحكمة والاتزان السياسي، مما جعلها تتصدر المشهد السياسي الإقليمي بوصف مسقط عاصمةً للسلام، وبوابةً للباحثين عن التفاهم والحلول الدبلوماسية بين مختلف الأطراف المتنازعة، ومنصةً للحوار الهادئ الذي يُعيد بناء جسور الثقة بين القوى الإقليمية والدولية.
لقد أصبحت السياسة الخارجية العُمانية عبر عقود من الزمن نموذجًا في العمل الدبلوماسي القائم على حيادية والصدق السياسي، خاصة أنها لا تنتظر من أحد توجيهات محددة في تحديد مسار دورها السياسي وعلاقتها معه دول المنطقة، إذ تأسست هذه السياسة على إرث حضاري وتاريخي من الحكمة السياسية، القائمة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام سيادتها، هذا النهج السياسي مكّن عمان من بناء الثقة السياسية القائمة على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، مما عزز من مكانتها وثقة الدول في أدوارها كطرف محايد قادرة على تحقيق الاستقرار السياسي الإقليمي.
وتنبق الحكمة السياسية العُمانية في قدرتها على إدارة التوازنات بقدر كبير من الواقعية دون الاصطفاف إلى طرف دون الأخر، مما أسهم في بناء الثقة السياسية في الدور الحيادي، فبينما تشهد المنطقة صراع عسكري شملت تسعة دول، حافظت عُمان على الثبات السياسي في التعامل مع الأزمة، واستطاعت أن تكون بوصلة الأمان من أجل فتح مسارات للحوار السياسي الهادئ.
ومن ناحية أخرى، يمنح الموقع الجغرافي الاستراتيجي لعُمان عند مدخل الخليج العربي أهمية إضافية لدورها السياسي والدبلوماسي، حيث تشكل نقطة توازن في بيئة إقليمية معقدة، ومع ما تتمتع به من الاستقرار السياسي والنهج التنموي المتوازن، أصبحت عُمان قادرة على أداء أدوار بناءة في حماية أمن المنطقة وتعزيز استقرارها.
إلا أن استمرار الصراع واتساع نطاقه العسكري حتى أصبحت عمان ضمن الدول المستهدفة وتداعياته المباشرة على أراضيها وموانئها الحيوية، فقد تعرضت الموانئ والمواقع الاقتصادية لموجات متكررة من الاعتداءات والهجمات، ما يعرض الأمن الاقتصادي للخطر ويهدد الاستثمارات المحلية والدولية، هذه الاعتداءات لم تقتصر على الأضرار المادية، بل أثرت أيضًا على استقرار حركة الملاحة البحرية والتجارة الإقليمية، مما قد ينعكس سلبًا على مكانة عمان كحلقة مهمة في شبكة التجارة الدولية، ومن زاوية أخرى، فإن استمرار هذه المخاطر يفرض على السياسة العُمانية تحديات كبيرة في إدارة الأزمة، وحماية أمنها الوطني مع الحفاظ على حيادها ودورها الوسيط في المنطقة.
ويمتد أثر هذا الصراع إلى الأمن الإقليمي والخليجي بشكل أوسع، حيث يزداد احتمال تفاقم النزاع وتحوله إلى مواجهة شاملة تهدد استقرار دول المنطقة بأسرها، وتعتبر الضربات والهجمات المتكررة، خاصة من الجانب الإيراني، عامل ضغط على التوازنات الأمنية في الخليج، ما يضع الدول الخليجية أمام معضلة صعبة بين حماية أمنها القومي والحفاظ على الاستقرار الإقليمي من جهة، والتصدي للتصعيد العسكري المتواصل من جهة أخرى، كما أن توسع نطاق الصراع وزيادة شموليته قد يقوض جميع الجهود الدبلوماسية الهادفة إلى تقريب وجهات النظر وإعادة الحوار البناء بين الأطراف المتنازعة، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سلمية، ما يجعل المنطقة أمام تحديات استراتيجية تتطلب تكاتفًا خليجيًا ودوليًا لمواجهتها.




