جودة التعليم… هل نقيس الأرقام أم نصنع الإنسان؟

لم يكن هذا السؤال وليد الصدفة، بل جاء إثر قراءتي لمقال الدكتور خالد الشيدي حول “الانهيار البنيوي للجامعات”، الذي فتح بابًا واسعًا للتأمل في مفهوم جودة التعليم وحدود مؤشرات قياسها. وقد قادني ذلك إلى حوارات معمقة مع نخبة من الأساتذة في عدد من الجامعات الخليجية والعربية، فتباينت الآراء، لكن الجميع اتفق على أن قضية جودة التعليم ما زالت تطرح أسئلة أكبر من الإجابات المتاحة. ومن أبرز تلك الأسئلة ما سأناقشه في هذا المقال.

ما يثير التفكير اليوم سؤالٌ مهم جداً: كيف يمكن قياس جودة التعليم؟ هل تُقاس من خلال المؤشرات المحلية والدولية؟ أم بنتائج التحصيل الدراسي والتحصيل الأكاديمي؟ أم أن هناك معيارًا أكثر دقة وعمقًا، يتمثل في السمات والخصائص التي يتصف بها خريج النظام التعليمي؟

لقد انشغلت الأنظمة التعليمية لفترة طويلة بقياس ما يمكن قياسه بسهولة؛ فنشأت المؤشرات والإحصائيات والاختبارات الدولية، وأصبحت نسب النجاح ومتوسطات التحصيل ومراكز الدول في الاختبارات العالمية مؤشرات شائعة للحكم على جودة التعلم، وهذه المؤشرات حقيقة لها أهيمتها، فهي تكشف جانبًا من كفاءة النظام التعليمي، وتساعد على المقارنة واتخاذ القرارات التي تعالج الإشكاليات وتسهم في تطوير التعليم.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تعكس هذه المؤشرات حقيقة جودة التعليم؟

قد تحقق المدرسة أو المؤسسة الجامعية نتائج مرتفعة في الاختبارات، ولكنها قد تُخرج طالبًا يفتقر إلى المسؤولية، ويعجز عن التفكير الناقد، ولا يمتلك مهارات التواصل والعمل الجماعي، ولا يشعر بالانتماء لوطنه، ولا يستطيع التعامل مع تحديات الحياة، ولا يمتلك القدرة على الابتكار والابداع، وقد تتصدر هذه المؤسسة التعليمية قوائم التصنيف، وفي اتجاه أخر نجد نظاما تعليميا لا يحقق تلك المؤشرات لكنه ينتج مخرجات أكثر فاعلية ومشاركة في المجتمع.

من هنا بدأ التحول في التفكير التربوي العالمي من التركيز على نواتج التعلم إلى التركيز على أثر التعلم، فالقضية لم تعد: ماذا يعرف الطالب؟ بل أصبحت تركز على: ماذا يستطيع أن يفعل بما يعرف؟ وما نوع الإنسان الذي نريد بعد سنوات من التعليم؟

هذا الطرح ناقشه العديد من الفلاسفة والمنظرين في الجانب التربوي، إذ يرى جون ديوي أن قيمة التعلم لا تقاس بما يحفظه المتعلم، وإنما بما يصبح عليه بعد التعلم، أما جون هاتي أكد على أن السؤال الحقيقي ليس: هل تعلم الطالب؟ بل ما الأثر الذي أحدثه التعليم في المتعلم؟ وفي تقرير منظمة اليونسكو: التعليم: الكنز المكنون”الذي جعل غاية التعلم تكوين الإنسان القادر على التعلم والعمل والعيش مع الآخرين”.

من هنا بدأ التحول في الفكر التربوي العالمي من التركيز على نواتج التعلم إلى التركيز على أثر التعلم، فالقضية لم تعد: ماذا يعرف الطالب؟ بل أصبحت: ماذا يستطيع أن يفعل بما يعرف؟ وما نوع الإنسان الذي أصبح عليه بعد سنوات من التعليم؟

إن جودة التعليم الحقيقية لا تكمن في عدد الشهادات التي يمنحها النظام التعليمي، ولا في ترتيب الدولة في المؤشرات الدولية فحسب، وإنما في الإنسان الذي يصنعه ذلك النظام. فالخريج الذي يمتلك النزاهة، والانضباط، والقدرة على حل المشكلات، والتفكير الناقد، والتعلم الذاتي، والوعي الرقمي، وروح المبادرة، والاعتزاز بهويته الوطنية، هو المؤشر الأكثر صدقًا على نجاح أي نظام تعليمي.

لذا فإن المؤشرات المحلية والدولية يجب أن تنظر إليها بوصفها أدوات تشخيص، لا غايات بحد ذاتها، فالانشغال بتحسين ترتيب الأنظمة التعليمية، قد يدفع بعض الأنظمة إلى تعلم الطلبة من أجل الاختبار، بينما تنحسر الأهداف الكبرى للتربية المتمثلة في بناء الإنسان.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى كل نظام تعليمي ليس: ما حقق طلابك من الدرجات أو المؤشرات؟ وإنما أي مواطن يصنع هذا التعليم؟ هل يستطيع خريجوه أن يواجهوا تحديات المستقبل، وأن يشاركوا في تنمية أوطانهم، وأن يحافظوا على قيمهم وهويتهم الوطنية، أو يتكيفوا مع عالم سريع التغيير؟

إن الإجابة عن هذه التساؤلات تفرض إعادة النظر في فلسفة المنظومة التعليمية، سواء في التعليم العام أو التعليم الجامعي، بوصفهما حلقتين متكاملتين في بناء رأس المال البشري الذي تستهدفه الدولة. فالمسألة لا تقتصر على تخريج أعداد من المتعلمين، وإنما على إعداد مخرجات تمتلك المعارف والمهارات والقيم التي تجعلها قادرة على الإسهام في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ورفع تنافسية الدولة.

ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار الحكومي في التعليم لا يُقاس بحجم الإنفاق عليه فحسب، بل بما يحققه من عائد تنموي يتمثل في مخرجات نوعية قادرة على تحويل المعرفة إلى إنتاج، والمهارة إلى قيمة مضافة، والانتماء إلى مسؤولية وطنية.

إن مستقبل التعليم لن يُحسم بكثرة المؤشرات، وإنما بقدرة الأنظمة التعليمية على تخريج إنسان يمتلك المعرفة والقيم والمهارات معًا. فحين يصبح الخريج قادرًا على التفكير، والإبداع، واتخاذ القرار، والعمل بإتقان، وخدمة وطنه، عندها فقط يمكن القول إن التعليم حقق غايته، وإن جودة التعليم لم تعد رقمًا في تقرير، بل أصبح مواطنًا فاعلا في بناء دولته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *