لا تفقد الطريق… حتى لا تفقد نفسك

أخطر خسارة ليست أن يفقد الإنسان شيئًا ماديًا ثمينًا؛ بل الخسارة الكبرى أن يفقد ذاته، فالإنسان لم يُخلق ليُقاس بما يملك من الأموال أو المكانة الاجتماعية، وإنما بما يحمله من القيم والأخلاق والمبادئ ومن الرحمة والوفاء والعدل والأمانة واحترام للآخرين؛ وفي هذه القيم تتجلى إنسانية الإنسان الحقيقية.
والقيم لا تُقاس بما يقوله الإنسان عن نفسه، ولا بما يردده من شعارات، وإنما بما يمارسه من أعمال وسلوكيات في تعامله مع الآخرين، فالأخلاق الحقيقية تظهر عندما يمتلك الإنسان القدرة على الظلم ثم يختار العدل، وعندما يمكنه أن يؤذي الآخرين لكنه يختار الرحمة.
وقد يؤدي الإنسان واجباته الدينية، ويحافظ على صلواته وعباداته، وهي عبادات يفترض أن تنعكس على سلوكه وتهذب النفس وتردعه عن الظلم والأذى؛ لكن العبادة في صورتها الظاهرة لا تكفي إذا لم تمتد آثارها إلى داخل الإنسان وسلوكه مع الآخرين. فما قيمة الصلاة التي لا تنهى صاحبها عن الظلم؟ وما أثر العبادة التي لا تمنع من قطع أرزاق الناس، أو الكذب أو النفاق؟ لذا ليست القضية في أداء العبادة فحسب، وإنما في أثرها على الإنسان.
فالإنسان قد يحرص على مظهر التدين، بينما يفقد جوهر القيم التي تجعل منه إنسانًا صالحًا، وعندما ينفصل الدين عن السلوك، يبدأ الإنسان في فقدان ذاته دون أن يشعر؛ لأنه لم يعد يعيش على المبادئ التي يؤمن بها، وإنما يكتفي بمظاهرها.
وهنا تبدأ رحلة فقدان الطريق؛ حين يصبح الإنسان شيئًا في الظاهر، وشيئًا آخر في داخله.
حين يفقد الإنسان بوصلته الداخلية، وطريق إصلاح ذاته، تبدأ الأطماع في التسلل إلى عقله، تلك الأطماع التي لا يستطيع تحقيقها دون إيذاء الآخرين، وهنا يفقد الطريق…. ولكن الأخطر من ذلك أن يبرر لنفسه بعض التنازلات البسيطة، ثم تبدأ هذه المبررات في التحول إلى سلوك، حتى يصبح هذا السلوك عادة، فيجد نفسه مستعدًا للتخلي عن مبادئه في سبيل تحقيق أطماعه للوصول إلى المنصب، أو المال، أو النفوذ؛ لأن الإنسان لا يسقط عادةً في الخطأ مرة واحدة، وإنما يفقد جزءًا من مبادئه في كل مرة يختار فيها مصلحته على حساب الآخر.
وعندما يحصل على مستوى السلطة والنفوذ، تظهر الرغبة في التأثير في حياة الآخرين لبيان مدى هذه القوة، فيظلم هذا، ويقصي ذاك، ويمنع آخر، ويقطع الأرزاق، ويصنع حوله دائرة من الظلم والاستبداد، حينها يتحول إلى فقدان الضمير، وبالتالي الابتعاد عن الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الإنسان.
حينما يتحول الجشع إلى الرغبة في السيطرة والهيمنة، لا يعود الإنسان وحده هو الذي يدفع الثمن؛ بل يدفع الآخرون الثمن معه، فالظلم يبدأ من إنسان فقد حس العدالة، وأصبح يرى أن ما يريد أن يصل إليه من أهداف أهم من حقوق الآخرين، وأن وظيفته، وسلطته هي من تمنحه الحق في أن يفعل ما يشاء، وهنا يتناسى إمكانية أن يدعو عليه أحدهم في عتمت الليل، فيقول: تركتك خصمًا لله.
يصبح الظلم أكثر قسوة عندما يرتبط بالاستبداد؛ لأن الإنسان الذي فقد ضميره قد يستخدم ما لديه من السلطة والنفوذ في إيذاء الآخرين، أو التضييق عليهم، أو حرمانهم من حقوقهم، أو قطع أرزاقهم، أو إقصائهم لمجرد أنهم لم يوافقوا هواه وأفعاله؛ لذا فالظلم يترك أثرًا لا يراه الظالم؛ فقد يكسر إنسانًا، أو يهدم طموحًا، أو يغيّر حياة أسرة، أو يجعل شخصًا يفقد ثقته بنفسه وبمن حوله، وربما ينسى الظالم ما فعله بعد سنوات، بينما يظل أثر ذلك الفعل في حياة المظلوم حاضرًا لا ينسى، فيقول: تركتك خصمًا لله.
وهنا ربما يطرح السؤال الآتي: هل الإنسان الذي يتعرض للظلم يمكن هو أيضًا أن يفقد قميه التي يحافظ عليها؟
الحياة لا تسير دائما كما نريد، فالإنسان يمر بمحطات واختبارات لم يكن يتوقعها، وبمواقف حياتية لم يخطط لها، وقد يجد نفسه في لحظة يتساءل فيها: لماذا يحدث هذا لي؟ لماذا فقدت ما كنت أظنه حقًا لي؟ ولماذا أغُلقت أبواب كنت أظن أنها ستقودني إلى ما أريد؟
في مثل هذه اللحظات لا يكون الاختبار الحقيقي فيما حدث للإنسان فحسب؛ وإنما فيما سيحدث داخله، فالأحداث قد تكون خارج إرادته، لكنه يملك قدرًا من الاختيار في الطريقة التي يتعامل معها، وهنا يظهر معدن الإنسان الحقيقي، هل يحافظ على قيمه عندما يخسر؟ هل يبقى عادلًا عندما يُظلم؟ هل يظل وفيًا؟ وهل يستمر في طريقه عندما تتأخر النتائج؟
فالاختبار الحقيقي ليس أن تصل إلى الطريق بلا تعب، وإنما أن تصل إليه دون أن تفقد نفسك وأنت تمضي إليه.





