من صحار إلى بكين: تاريخ من التواصل وشراكة تصنع المستقبل

ليست زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، _حفظه الله ورعاه_، إلى جمهورية الصين الشعبية في الأول من نوفمبر 2026، مجرد محطة في مسار العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بل تمثل امتداداً تاريخياً وحضارياً لعلاقات ضاربة في القدم، وتفتح في الوقت ذاته آفاقاً جديدة لشراكة استراتيجية تتجاوز حدود التجارة التقليدية إلى مجالات الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والابتكار، إنها زيارة تستحضر تاريخًا بحريًا عريقًا، وتستشرف مستقبلاً تتسع فيه المصالح المشتركة بين دولتين تمتلكان مقومات مهمة للتعاون والتكامل.
من صحار بدأت الحكاية
عندما نتحدث عن العلاقات العُمانية الصينية، فإننا لا نتحدث عن علاقة نشأت مع قيام العلاقات الدبلوماسية الحديثة، وإنما عن تواصل تجاري وحضاري يعود إلى قرون طويلة، وتشير المصادر الرسمية العُمانية إلى أن جذور هذه العلاقة تعود إلى عام 750م، عندما وصل التاجر العُماني أبو عبيدة عبد الله بن القاسم إلى الصين قادماً من ميناء صحار، في رحلة بحرية تعكس ما بلغه العُمانيون آنذاك من خبرة في الملاحة والتجارة والانفتاح على الحضارات الأخرى.
ولم تكن هذه الرحلة مجرد انتقال تاجر من ميناء إلى آخر، بل كانت شاهداً على حضور عُمان في شبكة التجارة البحرية التي ربطت شبه الجزيرة العربية والهند وشرق إفريقيا والصين، وقد وثقت المصادر الصينية القديمة جانباً من هذا التواصل، الأمر الذي يمنح هذه العلاقة قيمة تاريخية تتجاوز الروايات الشفهية إلى شواهد محفوظة في التراث التاريخي.
وتبرز هنا المكانة التي احتلها ميناء صحار في تلك المرحلة؛ فقد كان من أهم المراكز التجارية في المنطقة، ومحطة فاعلة في حركة الملاحة عبر المحيط الهندي، ولم يكن دوره مقتصراً على تصدير المنتجات العُمانية، بل امتد ليشمل الوساطة التجارية وتبادل السلع والخبرات بين الأسواق المختلفة، وقد وصف الجغرافي المقدسي صحار بأنها “دهليز الصين وخزانة الشرق”، وهي عبارة تختزل المكانة التجارية التي حظيت بها المدينة وصلاتها بالموانئ الشرقية.
ولعل من أبرز الشواهد المعاصرة على استحضار هذا الإرث التاريخي رحلة السفينة العُمانية “صحار”، التي أمر السلطان قابوس بن سعيد، _طيب الله ثراه_، ببنائها وفق نماذج السفن العُمانية القديمة. وقد أبحرت في نوفمبر 1980، متتبعة مسار الملاحة البحرية التاريخية، ووصلت إلى مدينة قوانغتشو الصينية في يوليو 1981. ولم تكن الرحلة مجرد مغامرة بحرية، بل رسالة رمزية تؤكد أن التاريخ العُماني البحري لم يكن منفصلاً عن حركة الحضارة والتجارة العالمية.
العلاقات التاريخية إلى الشراكة الدبلوماسية
انتقلت العلاقات العُمانية الصينية إلى مرحلة جديدة بإقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية في 25 مايو 1978، لتبدأ مرحلة من التواصل السياسي والمؤسسي المنظم بين البلدين. ثم جاءت المحطة الأبرز في مايو 2018، عندما ارتقت العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، بالتزامن مع مرور أربعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية.
وقد مثّل هذا التطور تحولاً في طبيعة العلاقة، فلم تعد تقتصر على التبادل التجاري وتصدير النفط واستيراد السلع، بل أصبحت تشمل مجالات أوسع من التعاون الاقتصادي والاستثماري والصناعي والتكنولوجي، إلى جانب التنسيق السياسي والثقافي.
وتكتسب هذه الشراكة أهمية إضافية بالنظر إلى المكانة الاقتصادية التي تحتلها الصين عالمياً، باعتبارها واحدة من أكبر الاقتصادات الدولية ومركزاً رئيساً للصناعة والتكنولوجيا والتجارة وسلاسل الإمداد. وفي المقابل، تمتلك سلطنة عُمان موقعاً جغرافياً استراتيجياً، وبنية أساسية متطورة، وموانئ بحرية ومناطق اقتصادية خاصة، فضلاً عن بيئة سياسية واستثمارية توفر فرصاً واعدة للتعاون طويل الأمد.
الصين شريك اقتصادي رئيس
تؤكد المؤشرات التجارية حجم المصالح الاقتصادية التي تربط البلدين؛ فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية نحو 32 مليار دولار أمريكي في عام 2025، وتجاوزت قيمة الواردات الصينية من عُمان 30 مليار دولار في العام نفسه، كان النفط الخام في مقدمة السلع المصدرة.
وتكشف هذه الأرقام عن عمق الترابط الاقتصادي بين البلدين، لكنها تطرح في الوقت ذاته سؤالاً مهماً يتعلق بمستقبل هذه العلاقة: كيف يمكن الانتقال من تجارة تعتمد بدرجة كبيرة على صادرات الطاقة إلى شراكة اقتصادية أكثر تنوعاً، تقوم على التصنيع ونقل التكنولوجيا والاستثمار في القطاعات الإنتاجية؟
وهنا تبرز أهمية الموانئ العُمانية، وفي مقدمتها صحار والدقم وصلالة، باعتبارها مراكز يمكن أن تؤدي دوراً أكبر في حركة التجارة الدولية والخدمات اللوجستية والصناعات التحويلية. فالموقع الجغرافي الذي منح عُمان أهميتها التجارية في الماضي، ما زال يمثل أحد أهم أصولها الاقتصادية في الحاضر، لكنه يحتاج إلى استثمار نوعي يحوله من ميزة جغرافية إلى قيمة اقتصادية مضافة.
زيارة تاريخية تحمل أبعاداً استراتيجية
تأتي زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق _حفظه الله ورعاه_ إلى الصين، تلبية لدعوة الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال يومي 1 و2 نوفمبر 2026، بوصفها أول زيارة يقوم بها سلطان عُماني إلى جمهورية الصين الشعبية منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1978. وهذه الحقيقة تمنح الزيارة دلالة سياسية وتاريخية خاصة، وتؤكد حرص القيادة العُمانية على تطوير العلاقات مع القوى الدولية المؤثرة، بما يخدم المصالح الوطنية ويعزز حضور السلطنة في المشهد الدولي.
كما تعكس طبيعة الوفد الرسمي المرافق لجلالة السلطان مستوى الاهتمام بالملفات الاقتصادية والاستثمارية، إلى جانب الملفات السياسية والدبلوماسية؛ إذ يضم عدداً من المسؤولين المعنيين بالشؤون الخارجية والاستثمار والنقل والاتصالات وتقنية المعلومات والتجارة والصناعة وترويج الاستثمار، فضلاً عن رئيس جهاز الاستثمار العُماني ومحافظ البنك المركزي.
إن هذا التمثيل المؤسسي الرفيع يعكس اتساع مجالات التعاون التي يمكن أن تتناولها الزيارة، ويؤكد أن العلاقات الدولية في المرحلة الراهنة لم تعد تُقاس فقط بمستوى التفاهم السياسي، بل بقدرة الدول على تحويل ذلك التفاهم إلى شراكات اقتصادية ومشروعات تنموية تحقق نتائج ملموسة.
وتتجاوز أهمية الزيارة حدود العلاقات الثنائية، فهي تعكس كذلك نهج الدبلوماسية العُمانية القائم على الحوار والتوازن وبناء علاقات الصداقة والتعاون مع مختلف الدول، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وهي مبادئ تمنح عُمان مساحة من الثقة في علاقاتها الدولية، وتساعدها على بناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة والاحترام المشترك.
الحزام والطريق وموقع عُمان في الاقتصاد العالمي
لا يمكن قراءة مستقبل العلاقات العُمانية الصينية بمعزل عن مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين عام 2013، والتي تستهدف تعزيز الترابط التجاري والاقتصادي بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، من خلال شبكات النقل والموانئ والطرق والمشروعات الاستثمارية.
وتملك سلطنة عُمان مقومات مهمة للاستفادة من هذه المبادرة، ليس فقط بسبب موقعها المطل على طرق الملاحة الدولية وقربها من مضيق هرمز، وإنما أيضاً لما تمتلكه من موانئ ومناطق اقتصادية وبنية أساسية قادرة على استيعاب مشروعات صناعية ولوجستية واستثمارية متنوعة.
ومن هنا، فإن الفرصة أمام السلطنة لا ينبغي أن تقتصر على أن تكون ممراً للسفن والبضائع، بل أن تتحول إلى مركز للإنتاج والتصنيع والتخزين وإعادة التصدير، وأن تستقطب استثمارات تسهم في نقل المعرفة والتكنولوجيا وتوفير فرص العمل للكفاءات الوطنية.
وهذا التوجه يتوافق مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 التي تسعى إلى بناء اقتصاد متنوع وتنافسي، قائم على الإنتاجية والابتكار والاستثمار، وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي.
شراكة المستقبل: ما الذي تحتاج إليه عُمان؟
إن أهمية الشراكة مع الصين لا تكمن في حجم التبادل التجاري وحده، ولا في عدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي يمكن توقيعها، وإنما في طبيعة ما تحققه هذه الشراكة للاقتصاد الوطني على المدى البعيد.
فثمة مجالات واعدة يمكن أن تشكل محاور رئيسة للتعاون، وفي مقدمتها الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، والصناعات التحويلية والبتروكيماوية، والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، والتقنيات المتقدمة، والخدمات اللوجستية، والأمن الغذائي، والسياحة، والتعليم والبحث العلمي.
كما أن الاستثمار في الإنسان ينبغي أن يكون حاضراً في هذه الشراكة من خلال توسيع فرص التعليم والتدريب والتبادل الأكاديمي، وتعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحث العلمي، وإتاحة الفرصة أمام الكفاءات العُمانية للاستفادة من التجربة الصينية في مجالات الصناعة والابتكار والتكنولوجيا.
من إرث التاريخ إلى صناعة المستقبل
إن زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق _أعزه الله_ إلى جمهورية الصين الشعبية تحمل دلالات تتجاوز إطارها الزمني والسياسي؛ فهي تستحضر تاريخاً من التواصل البحري والتجاري والحضاري، وتؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات التي تتطلب رؤية اقتصادية واستثمارية أكثر اتساعاً.
فمن صحار التي انطلقت منها السفن العُمانية نحو الموانئ الصينية، إلى بكين التي تستقبل اليوم جلالة السلطان، تتجدد حكاية التواصل بين البلدين، لكن بأدوات مختلفة تتناسب مع متغيرات العصر. ففي الماضي كانت السفن تحمل البضائع وتفتح طرق التجارة، أما اليوم فتتقدم الاستثمارات والتكنولوجيا والابتكار والمشروعات المشتركة لتشكل جسوراً جديدة بين البلدين.
وهكذا، فإن الطريق من صحار إلى بكين ليس مجرد مسافة جغرافية قطعتها السفن قديماً، أو زيارة رسمية تُسجل في تاريخ العلاقات الدبلوماسية، بل هو مسار ممتد من التواصل والثقة والمصالح المشتركة؛ مسار تتطلع عُمان من خلاله إلى صناعة مستقبل اقتصادي أكثر تنوعاً واستدامة، في ظل قيادة تؤمن بأن بناء العلاقات الدولية ينبغي أن ينعكس خيراً ونماءً على الوطن والمواطن.




