حين يتحدث الملك تشارلز عن عُمان..  لغةٌ تستحضر التاريخ وتكشف ثقل المكانة الاستراتيجية

لم تكن كلمة الملك تشارلز الثالث في مأدبة العشاء الرسمية التي أقامها في قلعة وندسور تكريمًا لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق فحسب، بل بدت خطابًا تتقاطع فيه الذاكرة التاريخية مع الدبلوماسية المعاصرة، وتلتقي فيه اللغة بالأدب والدين، لتقديم صورة عن عُمان تتجاوز حدود الجغرافيا إلى موقعها في معادلات الاستقرار الإقليمي والدولي، ففي الكلمات التي اختارها الملك، وفي الشواهد التي استحضرها، وفي انتقاله بين التاريخ البحري والشعر العُماني والحديث النبوي، تتبدى رسائل تستحق القراءة المتأنية، لا باعتبارها عبارات بروتوكولية فرضتها المناسبة، بل باعتبارها خطابًا سياسيًا صيغ بعناية، يخاطب عُمان  بتاريخها وهويتها، ويخاطب العالم من خلالها بشأن قضايا الأمن والسلام ومستقبل العلاقات الدولية.

اللغة العربية.. حين تتحول من أداة للتواصل إلى رسالة سياسية

لعل أول ما يستوقف المتأمل في الكلمة هو حضور اللغة العربية في خطاب ملك بريطاني أمام سلطان عُمان، فاللغة هنا ليست مجرد وسيلة لإيصال التحية أو استكمال مقتضيات المجاملة الدبلوماسية، وإنما تحمل دلالة تتصل بالاعتراف بالهوية الثقافية للطرف الآخر، والاقتراب من مرجعيته الحضارية، والتعبير عن الاحترام من داخل عالمه اللغوي.

وحين يستحضر الملك أبياتًا للشاعر العُماني أبي مسلم البهلاني، ثم يورد قولًا منسوبًا إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام في أهل عُمان، ويختتم بإهداء دعاء شعري من تراث شيخ البيان، فإنه لا يكتفي بالحديث عن عُمان، بل يستدعي بعضًا من ذاكرتها الثقافية والدينية والأدبية إلى قلب مناسبة سياسية رفيعة المستوى.

إن اختيار العربية في مثل هذا المقام يمنح الخطاب بُعدًا يتجاوز الترجمة الحرفية للكلمات؛ إذ تصبح اللغة نفسها جزءًا من الرسالة، ويصبح الاقتراب من الثقافة العُمانية تعبيرًا عن تقدير الخصوصية الوطنية، وإدراك أن العلاقات الراسخة لا تقوم على المصالح وحدها، وإنما تحتاج كذلك إلى معرفة متبادلة بالثقافات والقيم والذاكرة التاريخية.

لذا ينبغي ألا نختزل دلالة هذا الاستخدام في الانبهار باللغة العربية أو في المجاملة الملكية، بل أن نقرأه ضمن السياق الأوسع للزيارة: فالدبلوماسية المعاصرة لا تُقاس بما يُعلن من مواقف سياسية فقط، وإنما أيضًا بقدرتها على بناء جسور الثقة، واختيار الرموز التي تجعل الرسالة أكثر قربًا وتأثيرًا.

من أبي مسلم البهلاني إلى الحديث النبوي.. دلالات الاقتباس وذكاء الاختيار

لم يكن اختيار الشواهد في الكلمة عشوائيًا من حيث أثرها الرمزي: فقد تنقل الملك تشارلز بين ثلاثة منابع مختلفة للذاكرة العُمانية والعربية: الشعر الوطني، والمرجعية الدينية، والشعر الدعائي الذي يختتم بالتمني بالخير والبركة.

حين استشهد بقول أبي مسلم البهلاني:

ولا بَرِحَتْ تلكَ الرِّياضُ نَواضِرًا

تُضَمِّخُها طِيبَ السَّلامِ النَّسائِمُ.

إن استدعى صورة أدبية تجعل عُمان أرضًا للجمال والسكينة، وتمنح المكان الطبيعي قيمة تتجاوز الوصف الجغرافي إلى التعبير عن علاقة الإنسان بأرضه وذاكرته، كما أن استحضار شاعر عُماني معروف يمنح الخطاب صلة مباشرة بالإنتاج الثقافي المحلي.

أما الاستشهاد بالحديث النبوي: “لو أن أهل عُمان أتيت ما سبّوك ولا ضربوك”، فيحمل دلالة مختلفة؛ إذ ينتقل من جمال المكان إلى صفات الإنسان، ومن الطبيعة إلى الأخلاق. إن قراءة هذا الاختيار تقتضي النظر إلى ما هو أبعد من العبارة ذاتها: كيف تحوّل الاستشهاد بالحديث النبوي إلى مدخل للحديث عن عُمان بوصفها دولة تجمع بين الأصالة التاريخية، وخصوصية هويتها، ونهجها الدبلوماسي القائم على الحوار، ويأتي الختام بعبارة شيخ البيان:

عش في كمال مستمدًا نعمةً

من ربك الوهاب لا متناهيهْ

ليعيد الخطاب إلى مساحة الدعاء والتقدير الإنساني، فبعد الحديث عن التاريخ والتحالف والمصالح والأمن، تنتهي الكلمة بصورة لغوية تستحضر الوفاء واستمرار الصداقة. وهذا الانتقال من السياسة إلى الشعر، ومن المصالح إلى الدعاء، يمنح المناسبة طابعًا ثقافيًا يتجاوز الصياغة الدبلوماسية المباشرة.

التاريخ البحري.. اعتراف بجذور عُمان الحضارية

من الجوانب اللافتة في كلمة الملك تشارلز إعادة وضع عُمان في سياق تاريخي أسبق من نشأة المملكة المتحدة بصورتها السياسية الحديثة، فقد أشار إلى أن البحارة العُمانيين كانوا يمارسون التجارة عبر المحيط الهندي قبل ألف عام من اللقاءات الأولى بين أبناء البلدين، مستحضرًا امتداد طرق اللبان العُماني عبر بلاد الرافدين والبحر الأبيض المتوسط.

إن أهمية هذا الاستحضار لا تكمن في الاحتفاء بالماضي لذاته، بل في تقديم عُمان بوصفها طرفًا فاعلًا في شبكات التجارة والاتصال الحضاري منذ قرون بعيدة، فالتاريخ البحري العُماني لم يكن مجرد حركة سفن بين موانئ متباعدة، بل أسهم في بناء الصلات الاقتصادية والثقافية بين المجتمعات المختلفة، وأوجد خبرة في التواصل والانفتاح والتعامل مع تعدد المصالح والثقافات.

وحين أقر الملك، بنبرة تجمع بين الإعجاب والفكاهة، بأن هذا التاريخ يجعل ادعاءات البريطانيين بشأن براعتهم في الملاحة البحرية موضع اختبار، فإنه منح الإشادة بالعُمانيين صورة مختلفة عن المديح التقليدي؛ صورة تعترف بالأسبقية التاريخية والخبرة البحرية ذات الجذور العميقة.

ثم انتقل إلى رسم مسار للعلاقة بين البلدين عبر القرون، من الشراكة البحرية إلى المعاهدات، فالشراكة الاستراتيجية، وصولًا إلى التعاون الدبلوماسي والدفاعي والتجاري في القرن الحادي والعشرين، وهذه القراءة التاريخية تقدم العلاقة العُمانية البريطانية باعتبارها علاقة تطورت بتغير الأزمنة، من دون أن تفقد أهميتها في الحسابات السياسية للبلدين.

عُمان في الحسابات الاستراتيجية.. ما وراء مضيق هرمز

إذا كان التاريخ يفسر جذور العلاقة، فإن الحديث عن الوساطة والحياد البنّاء يوضح جانبًا من أهميتها الراهنة، ففي السياق الإقليمي تتجدد فيه النزاعات وتتعقد فيه الحسابات الأمنية، خصّ الملك تشارلز عُمان بإشادة واضحة لالتزامها بالوساطة، ولجهودها الرامية إلى الحفاظ على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.

والعبارة الأبرز في هذا السياق هي إشارته إلى أن دور عُمان في الخليج، وما وصفه بـ”الحياد البنّاء”، يحمل أهمية تتجاوز مضيق هرمز، ويستحق التقدير والاحترام.

هذه العبارة تستحق التوقف؛ لأنها تنقل النظر من الموقع الجغرافي إلى الوظيفة الاستراتيجية، فمضيق هرمز ليس مجرد ذلك الممر المائي الذي يربط الخليج ببحر عُمان، بل يمثل شريانًا مهمًا للتجارة والطاقة، وتتجاوز تداعيات أمنه حدود الدول المطلة عليه إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأمن الأسواق.

لكن الأهمية العُمانية، كما يعرضها الخطاب، لا تنحصر في الجوار الجغرافي للمضيق أو في المصالح المرتبطة بالملاحة البحرية، إنها تتصل كذلك بقدرة الدولة على التواصل مع أطراف متباينة، والإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة، والإسهام في تهيئة الظروف التي تسمح بخفض التوتر والبحث عن مساحات مشتركة.

وهنا تظهر دلالة وصف الحياد بأنه “بنّاء”. فالحياد في هذا السياق لا يعني الانسحاب من قضايا المنطقة، أو الوقوف على مسافة واحدة من كل الوقائع بصرف النظر عن طبيعتها، بل يشير إلى نهج يسعى إلى الحفاظ على القدرة على التواصل، وتسهيل التفاوض، وتجنب إغلاق أبواب الحلول السياسية، وتبقى فاعلية هذا النهج مرتبطة بما يحققه عمليًا من فرص للحوار وخفض التصعيد.

كما أن تأكيد الملك أن الدور العُماني يتجاوز مضيق هرمز يحمل إقرارًا بأن قيمة عُمان الاستراتيجية لا تُختزل في موقعها، وإنما تتصل أيضًا بالدور الذي تستطيع أداءه في إدارة الأزمات وبناء الثقة بين الأطراف، وهذا هو الفارق بين دولة تقع في منطقة استراتيجية، ودولة تمتلك الأدوات السياسية والدبلوماسية تجعل موقعها ذا قيمة في حسابات الاستقرار الإقليمي.

السلطان قابوس والسلطان هيثم.. ثبات المبادئ وتجدد أدوات النهضة

لم تكن إشارة الملك تشارلز الثالث إلى السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه-، ثم انتقاله إلى الحديث عن مسيرة عُمان في عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق، مجرد استعادة لذكريات شخصية أو تعداد لمنجزات وطنية؛ بل مثّلت مدخلًا لقراءة التجربة العُمانية من زاوية تجمع بين رسوخ المبادئ وتطور أدوات الدولة، وحين يستحضر الملك صديقه الراحل، مشيرًا إلى التحول الذي أحدثه في عُمان مع الحفاظ على ثقافتها العريقة، وإلى حكمته في انتهاج السياسة الخارجية القائمة على الانفتاح والحوار، فإنه يسلط الضوء على إحدى السمات البارزة في التجربة العُمانية: القدرة على التحديث دون القطيعة مع الجذور، والانفتاح على العالم دون التفريط في الخصوصية الوطنية.

ولم تكن هذه السياسة مجرد استجابة لظروف مرحلة بعينها، بل أصبحت إحدى السمات التي ميّزت حضور عُمان في محيطها الإقليمي والدولي، ولعل استحضار الملك تشارلز لهذه التجربة، مقرونًا بذكرياته الشخصية عن السلطان قابوس، يمنح شهادته دلالة تتجاوز الإشادة بزعيم راحل إلى التقدير بالنهج السياسي الذي أسهم في ترسيخ مكانة عُمان وتعزيز علاقاتها الدولية.

وعندما انتقل الملك إلى عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه-، أشار إلى تعزيز مؤسسات الدولة، ورؤية عُمان 2040، وتنويع الاقتصاد، وخفض انبعاثات الكربون، ووضع التعليم والمهارات والشباب في قلب المسيرة التنموية، ويكشف هذا الحديث عن تطور أولويات الدولة وأدواتها في التعامل مع متطلبات المرحلة؛ فالتجديد لا يستلزم التخلي عن المبادئ التي منحت التجربة العُمانية خصوصيتها، كما أن الحفاظ على تلك المبادئ لا يعني الجمود أمام التحولات، وتكمن أهمية هذا التوازن في قدرة الدولة على تطوير مؤسساتها وسياساتها بما يستجيب للتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية والبيئية، مع الاحتفاظ بمرجعيتها الوطنية.

إن جوهر التجربة العُمانية، كما يمكن قراءته في هذا الخطاب، يتمثل في تحويل رصيد التاريخ إلى قدرة على مواجهة الحاضر واستشراف المستقبل؛ فالمبادئ تمنح المسيرة اتجاهها، فيما يحدد تجدد الأدوات قدرتها على مواكبة الزمن، وبين نهج دبلوماسي رسّخ مكانة عُمان، وأولويات تنموية تستهدف توسيع آفاقها، تتشكل ملامح دولة تحافظ على خصوصيتها الوطنية، وتطوّر في الوقت ذاته مقومات حضورها وتأثيرها في محيطها والعالم.

من معاهدة عام 1800 إلى شراكة الأجيال

استحضر الملك المعاهدة الموقعة بين البلدين عام 1800، وما تضمنته من أمل في أن تظل الصداقة بين الدولتين “راسخة لا تتزعزع مدى الدهر”، ثم ربط ذلك باستمرار العلاقات بين البلدين عبر أجيال متعاقبة، مشيرًا إلى الرعاية المشتركة التي تجمع الأمير ويليام وصاحب السمو السيد ذي يزن في رحلة “سلطنة عُمان جوهرة العرب”.

إن استدعاء المعاهدة ليس مجرد عودة إلى وثيقة تاريخية، بل هو استخدام للماضي بوصفه أساسًا رمزيًا لتفسير الحاضر وتصور المستقبل، فالعلاقة التي بدأت في السياقات التاريخية المختلفة أعادت صياغة أدواتها لتشمل الدبلوماسية والدفاع والتجارة والتعاون الثقافي.

أما انتقال الاهتمام إلى الجيلين الجديدين، فيمنح الصداقة بعدًا يتجاوز العلاقات الشخصية بين القيادتين، فاستدامة العلاقات الدولية تتطلب أن تتحول الروابط التاريخية إلى مشروعات ومؤسسات ومصالح مشتركة يستطيع الجيل التالي مواصلتها وتطويرها.

وفي هذا المعنى، تبدو الإشارة إلى الرحلة الاستكشافية رمزًا لعلاقة لا تكتفي بالاحتفاء بما أنجزه السابقون، بل تسعى إلى إنتاج مساحات جديدة للتعاون، يكون فيها الشباب والثقافة والاستكشاف والعمل المشترك أدوات لتعزيز التواصل بين المجتمعين.

الرسالة الأوسع.. شراكة في عالم تتزايد فيه المخاطر

في القسم الأخير من الكلمة، انتقل الملك إلى تحديات المستقبل، من تغير المناخ والذكاء الاصطناعي إلى التنافس على الموارد واختبار النظام الدولي، وقد جمع هذه المخاطر تحت فكرة مركزية: أن الأجيال القادمة ستحتاج إلى أصدقاء موثوقين، وشركاء قادرين على العمل رغم الاختلافات، والدفاع عن السلام والقانون الدولي، والجمع بين الابتكار والمسؤولية.

هذا الجزء يضع العلاقة العُمانية البريطانية في إطار أوسع من الروابط الثنائية، فالتحديات التي أشار إليها الملك عابرة للحدود، ولا يمكن لدولة مواجهتها منفردة، الأمر الذي يجعل الثقة والتعاون والقدرة على إدارة الاختلاف عناصر أساسية في العلاقات الدولية.

عُمان كما يراها الآخرون.. دولة بتاريخها ودورها

إن قراءة كلمة الملك تشارلز الثالث تكشف عن خطاب جمع بين المجاملة الملكية والرمزية الثقافية والإشارات السياسية والاستراتيجية، فقد استحضر عُمان بوصفها بلدًا صاحب ذلك التاريخ البحري العريق، وأفسح للغتها وشعرائها ومرجعيتها الدينية مساحة في مناسبة رسمية بريطانية، ثم انتقل إلى الإشادة بمسارها التنموي ودورها في الوساطة والحفاظ على استقرار المنطقة.

ومع ذلك، فإن القيمة الأهم في الخطاب لا تكمن في عدد عبارات الثناء التي تضمنها، بل في طبيعة القضايا التي اختار الملك أن يربطها باسم عُمان: الثقة، والحوار، والحياد البنّاء، وأمن الممرات الملاحية، واستمرارية العلاقات، والمسؤولية تجاه الأجيال المقبلة.

لقد منح الملك تشارلز التاريخ مكانه، واللغة رمزها، والشعر حضوره، ثم جعل من ذلك كله مدخلًا للحديث عن الحاضر والمستقبل. وبين أبيات أبي مسلم البهلاني، وحديث النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ومعاهدة عام 1800، وعبارة “الحياد البنّاء”، تتشكل صورة عُمان في هذا الخطاب باعتبارها دولة تستمد من تاريخها رصيدًا ثقافيًا، ومن سياستها الخارجية أدوات للتواصل، ومن علاقاتها الدولية فرصًا لتعزيز الاستقرار.

وهنا تكمن دلالة الخطاب الأعمق: أن مكانة الدول في العالم لا تتحدد بما تمتلكه من موارد ومواقع استراتيجية فحسب، وإنما أيضًا بما تستطيع بناءه من ثقة، وما تفتحه من أبواب للحوار، وما تقدمه من إسهام في جعل السلام خيارًا ممكنًا في زمن الأزمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *