حارة البلاد أنموذجًا للألعاب المجتمعية الذكية

لم تكن الحضارات الإنسانية في جوهرها نتاج الانكفاء على التلقين المكتبي أو الحسابات الصامتة داخل الغرف المغلقة، بل وليدة الاحتكاك المباشر بالطبيعة والتحدي الفيزيائي الخالص. في طرحه التأسيسي الأنثروبولوجي عن “الإنسان الّلاعِب”، يؤكد المفكر الهولندي “يوهان هويزنجا” أن الثقافة الإنسانية لم تنبثق بالتوازي مع اللعب، بل نشأت في هيئة لعب ومن خلاله كأداة أولى لاكتشاف المجهول وصقل المهارات ومحاكاة المخاطر في بيئة آمنة. غير أن إنسان العصر الحديث استبدل هذا الفضاء الطبيعي الرحب بأسطح الشاشات الزجاجية المسطحة، مما أورث العقل الجمعي حالة حادة من الانحباس الإدراكي وتراجع حيوية الانتباه، ما يجعل استعادة اللعب التفاعلي في الفضاءات المفتوحة ضرورة ملحة لإعادة شحن الطاقة النفسية وتطهير الذهن من التشتت الرقمي المزمن.
يتجلى هذا الأثر العميق حين نتأمل كيف استطاعت تجارب إعلامية وتفاعلية شهيرة أن تلامس هذه الغريزة الفطرية دون أن يُدرك الجمهور سر جاذبيتها الحقيقي، ولعل أبرزها نموذج برنامج المسابقات الياباني الشهير “قلعة تاكيشي” المعروف عربياً بـ “الحصن”. وراء الطابع الفكاهي والضحكات التي ملأت الشاشات لعقود، كان يكمن في نظام فيزيائي- مكاني مركب يقوم على اختبار الإدراك الحسي الداخلي للجسم وموقعه الدقيق في الفضاء.
إن التحديات التي واجهها المتسابقون- من القفز بين أحجار طافية قد يغوص بعضها، إلى اختراق متاهات الأبواب المتشابهة تحت ضغط الوقت- لم تكن سوى محفزات عصبية تفرض على الدماغ اتخاذ قرارات ملاحية في أجزاء من الثانية، مع تطبيع كامل لمفهوم الفشل وجعله جزءاً مبهجاً ومحفزاً من التجربة الجماعية بدلاً من كونه وصمة تدعو للإحباط.
يقودنا هذا الأمر مباشرة إلى ما يُعرف في علم النفس العصبي (بنظرية الذكاء المكاني-البصري)، وهي الملكة الذهنية المسؤولة عن بناء الخرائط الذهنية ثلاثية الأبعاد، وتقدير المسافات، وحساب الارتفاعات والتوازن الحركي في البيئات المتبدلة. لقد أدى الإفراط في الاعتماد على الملاحة الخوارزمية الجاهزة وتطبيقات الهواتف الذكية إلى ضمور تدريجي في منطقة “الحصين” داخل المخ، وهي المنطقة المحورية المسؤولة عن حفظ المسارات وتنشيط الذاكرة المكانية طويلة الأجل. إن غياب التحدي الميداني يولد نوعاً من “العمى الملاحي”، في حين أن الانخراط في ألعاب حركية ومكانية ذكية داخل بيئات واقعية يعيد تنشيط الروابط الشبكية ويدفع الدماغ لإفراز عوامل النمو العصبي التي تستعيد مرونته ولياقته الذهنية المفقودة.
من هذا المنطلق، لا يمكن استنساخ هذه التجارب دون تجذيرها في خصوصية البيئة المحلية وثقافتها المعمارية، وهنا تبرز عبقرية التضاريس والتراث في سلطنة عمان كميدان مثالي لابتكار لعبة مجتمعية ذكية تحت اسم “ملحمة الفلج والمدار”. تقوم هذه التجربة في إحدى الحارات الطينية القديمة، (كحارة البلاد في بهلاء)، وتعتمد مبدأً حاسماً يستبعد الشاشات والأجهزة الإلكترونية كلياً لصالح أدوات القياس الفلكية والمكانية التراثية، تتقاطع في اللعبة تحديات قراءة حركة الظلال بالمزولة الشمسية لفتح مسارات محددة، واجتياز الأزقة المتشابكة المظللة اعتماداً على صدى الصوت واللمس، وصولاً إلى تنسيق توازن جماعي دقيق لضبط قنوات الفلج المائية المعلقة والسماح للمياه بالتدفق دون هدر.
لا تقتصر ثمرة هذا التحدي المكاني المبتكر على تنشيط الحواس وشحذ الإدراك الفضائي فحسب، بل تمتد لتصنع جسراً حياً وناضجاً بين الأجيال؛ فالشباب بقوتهم البدنية الفائقة وسرعة استجابتهم الحركية لا يمكنهم بلوغ الحلول النموذجية دون الاستعانة بالخبرة الطوبوغرافية التراكمية لكبار السن الذين يحفظون أسرار المكان بدقة، وخرائط الظل والماء المتوارثة عبر القرون. هكذا تتحول الألعاب المجتمعية الذكية من مجرد أنشطة ترفيهية عابرة وزائلة إلى أصول معرفية وثقافية مستدامة تتراكم قيمتها بمرور الوقت، معيدة صياغة الفضاء العام ليصبح منصة حية تلهم المجتمع وتسترد طاقته الذهنية الفطرية.
إن العودة إلى الميدان عبر بوابة الابتكار التراثي ليست ترفاً فكرياً ولا عودة قسرية إلى الماضي، بل هي استراتيجيّة واعية لبناء مجتمع عُماني متماسك، يدرك بعمق أن أثمن ما يملكه هو قدرته المستدامة على التعلم، والحركة، والتفكير المشترك وسط تفاصيل أرضه الطيبة وتاريخه المزدهر، مستلهمًا من عبقرية المكان وسننه الحية طاقة تجدد لا تنضب.

