مكنسة نوبل

تخيّل أن يصل خبر الفوز بأرفع جائزة أدبية إلى كاتبة بينما يداها مشغولتان بكنس منزلها. لا منصة مضاءة، ولا جمهور ينتظر؛ بل مكنسة في يد وكتب قديمة في عالمها الفكري. تبدو المفارقة بسيطة، لكنها تفتح سؤالًا أعمق: ماذا لو كان الإبداع أقل ارتباطًا بالمظاهر التي تحيط به، وأكثر انسجامًا مع طريقة نظر الإنسان إلى الأشياء؟

قيمة هذا المشهد ليست في كون أن العمل المنزلي يصنع الأدب؛ بل في أن العقل المبدع لا يتوقف عن العمل لمجرد أن صاحبه يمارس تفاصيل حياته اليومية. فقد تنشأ فكرة كبيرة بعيدًا عن المكاتب، كما قد تمر ساعات طويلة أمام الكتب دون أن ينتج عنها شيئًا جديدًا. الفارق ليس في المكان؛ بل في نوعية الانتباه، وفي القدرة على اكتشاف العلاقات التي لا تبدو واضحة للآخرين.

هنا تتحول المكنسة إلى استعارة فكرية؛ فكما تزيل الغبار عن الأرض، يحتاج العقل إلى إزالة ما يتراكم فيه من تصورات جاهزة وأفكار مستهلكة. والكاتب الذي يملأ صفحاته بالمعلومات دون أن يعيد ترتيبها يشبه من ينقل الغبار من زاوية إلى أخرى. أما المبدع فيبحث عما يستحق البقاء، ويحذف الزوائد، ويمنح التفاصيل المتناثرة نظامًا جديدًا. فالإبداع ليس إضافة مستمرة؛ بل قدرة على التمييز بين ما يكشف المعنى وبين ما يحجبه.

وتتضح هذه الفكرة عند التأمل في تجربة “آن كارسون”، الشاعرة والمترجمة والباحثة في الأدب الكلاسيكي، التي مُنحت جائزة نوبل للآداب عام 2026. فقد عادت في أعمالها إلى نصوص وأساطير يونانية قديمة، وأعادت تقديمها في أشكال أدبية معاصرة. ومن بين مصادرها المأساة اليونانية التي ازدهرت في القرن الخامس قبل الميلاد، ومنها أعمال “يوربيديس”. لم تتعامل مع هذه النصوص بتقديرها آثارًا ينبغي حفظها بعيدًا عن الحياة، ولكن باعتبارها عوالم يمكن إعادة قراءتها واكتشاف أسئلة جديدة داخلها.

واللافت في طريقة كارسون أنها لا تكتفي بقراءة النص القديم بحثًا عن حكايته أو فكرته العامة؛ بل تتعامل مع لغته وتفاصيله وشذراته، وتنتبه إلى ما بقي منه وما فُقد، ثم تستكشف إمكانات ترجمته وإعادة تشكيله. ففي ترجمتها لشعر “سافو”، مثلًا، تحافظ على مواضع النقص في النصوص الأصلية باستخدام الأقواس والمساحات البيضاء، بدل أن تملأ كل فراغ بكلمات من عندها. وهكذا يصبح النقص نفسه جزءًا من تجربة القراءة، ويمنح القارئ مساحة للتأمل والتخيّل. 

إنها تمارس -بهذا المعنى- نوعًا من التكنيس الفكري: تزيل طبقات التلقي المعتادة، وتقترب من النص لتختبر ما يقوله وما يِسكت عنه، ثم تعيد تقديمه دون أن تطمس اختلافه التاريخي. والقديم هنا ليس غبارًا ينبغي التخلص منه؛ بل مادة تحتاج إلى قراءة دقيقة كي تستعيد قدرتها على إضاءة الحاضر.

ومن زاوية أخرى، نجد صدى لهذه الفكرة عند “فريدريش نيتشه”، الذي ربط التفكير بالحركة، ورأى في المشي مجالًا لتحرر العقل من الجمود. وإذا كانت خطوات المشي تساعد على تحريك الأفكار، فإن حركة المكنسة يمكن أن تصبح صورة مقابلة: الأولى تفتح الطريق أمام الفكرة، والثانية تزيل ما يعترض وضوحها. ليست العبرة بالمشي أو التكنيس في ذاتهما؛ بل بعقل يستطيع تحويل النشاط العادي إلى فرصة للتأمل.

وهنا نصل إلى جوهر الكتابة الناجحة. فكما تحتاج الأرض إلى تنظيف، تحتاج الفكرة إلى تحرير من الحشو، ويحتاج النص إلى عين ترى ما يراه القارئ، لا ما يراه الكاتب وحده. العمق ليس أن تجعل المعنى صعبًا؛ بل أن تكشفه دون أن تفرغه من تعقيده الضروري. والكاتب الماهر لا يستعرض ما يعرفه، وإنما يختار منه ما يساعد القارئ على الفهم وإعادة التفكير.

ربما لا نحتاج إلى البحث عن الإبداع في أماكن بعيدة بقدر حاجتنا إلى تغيير طريقة النظر إلى ما بين أيدينا. فكتاب عمره أكثر من ألفي عام قد يفتح سؤالًا معاصرًا، وعملٌمنزلي بسيطٌ قد يذكّرنا بأن ترتيب الأشياء يبدأ أحيانًا بإزالة ما لا نحتاج إليه.

فما الذي تحتاج إلى كنسه من عقلك كي ترى ما لم تره من قبل؟ ربما لا تكون المكنسة أداة لتنظيف المكان فحسب؛ بل درسًا في صناعة المعنى: أن تزيل ما يحجب الرؤية، وتحتفظ بما يستحق البقاء، ثم تمنح الأشياء القديمة فرصة لتقول شيئًا جديدًا. فالعقل المبدع لا يكتفي بامتلاك الكتب؛ إنه يعرف كيف يقرأ ما بين سطورها، وكيف يحوّل غبار الماضي إلى بذور للمستقبل.

د. خالد الشيدي

كاتب بمجلة إشراق العمانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *