السابع من أكتوبر … لحظة انبعاث الوعي الإنساني

لم يكن السابع من أكتوبر 2023م حدثًا عابرًا، بل نقطة تحول في الوعي الإنساني والسياسي والإعلامي. لقد كشف هشاشة النظام الدولي، وأعاد الاعتبار لفكرة المقاومة كحق مشروع، وأيقظ العالم على حقيقة أن الحرية لا وطن لها، لكنها تسكن في كل ضمير حر. وربما تكون هذه اللحظة بداية وعيٍ عالمي جديد، يتجاوز لغة المصالح إلى لغة العدالة، ويعيد تعريف الإنسانية بمعناها الأصيل. ويظلّ السابع من أكتوبر، الذي تمرّ عليه اليوم عامان، حدثًا فارقًا في التاريخ المعاصر، ولحظةً مفصلية غيّرت مجرى الوعي الإنساني.

وحين يتأمل الانسان مسيرة التاريخ الإسلامي، منذ بزوع فجر الإسلام في مكة المكرمة حتى امتداد حضارته شرقا وغربا في العالم آنذاك، يدرك أن جوهر هذه الحضارة لم يكن في توسعها الجغرافي فقط، بل في قدرتها على احتواء الآخر المختلف فكريا وثقافيا ودينيا، وصناعة نموذج إنساني يقوم على العدل والمساواة، فلم يكن الغزو في مفهومة بحثا عن السيطرة بل رسالة تحرير للإنسان من عبودية الإنسان إلى عبودية رب الإنسان الواحد الأحد، ومن هنا فإن ما شهده العالم في السابع من أكتوبر لم يكن مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين غير متكافئين في العتاد، بل كان صراعا للكرامة والوجود، بين من يسعى لتثبيت قيم العدالة والحرية، وبين من يرى نفسه شعب الله  المختار وكأنه إلها في الأرض يأمر فيُطاع.

كان هذا اليوم بمثابة مرآة للعالم، انعكست فيها وجوه كثيرة كانت تتخفى وراء شعارات الإنسانية والحرية.  سقطت الأقنعة عن أنظمة وسياسيين وإعلاميين طالما ادّعوا الحياد والموضوعية، بينما انحازوا علنًا للمحتل وتجاهلوا المأساة الإنسانية في غزة. لقد كشف السابع من أكتوبر نفاق العصر الحديث، فالمنافقون الذين أظهروا دعمهم لحقوق الإنسان في العلن، بينما دعموا الظلم في الخفاء، تكشفوا أمام الشعوب كما تكشف منافقو المدينة المنورة في غزوة الأحزاب حين خانوا العهد والدين، قد كشف الحدث كذلك كيف يمكن للإعلام أن يتحول من أداةٍ للتنوير إلى سلاحٍ بيد أصحاب القوة، يُوجَّه لتزييف الوعي وتبرير الباطل. وأن الحقيقة يمكن أن تُخنق عندما تتعارض مع المصالح .ومع ذلك، لم تصمت الحقيقة. فقد وُلدت من رحم المعاناة منصات إعلامية بديلة، قادها شباب فلسطينيون بعدسات هواتفهم، نقلوا للعالم صورة الواقع كما هو، فهزّت مشاعر الملايين وأعادت صياغة الرأي العام العالمي.

لقد أعاد السابع من أكتوبر إلى العالم شيئا من إنسانيته التي كادت ان تذوب في خضم الماديات المعاصرة، فمن الخطأ اختزال السابع من أكتوبر في كونه عملية عسكرية محدودة؛ فالمعنى الأعمق للحدث يكمن فيما أحدثه من انقلاب في المفاهيم السياسية والإعلامية. لقد أظهر هذا اليوم أن الشعوب ما زالت قادرة على التأثير في مسار التاريخ، وأن العالم، رغم ضجيج التكنولوجيا والعولمة، ما زال يتفاعل مع صور الظلم والبطولة بنفس الحس الإنساني القديم.

ولهذا يمكن القول إن السابع من أكتوبر أعاد إلى الواجهة مفهوم المقاومة بوصفها حالة وعيٍ حضاري، لا مجرّد فعلٍ عسكري. فالمقاومة ليست رصاصة تُطلق، بل هي موقفٌ أخلاقي وفكري في مواجهة الظلم والطغيان. وقد أثبتت الشعوب التي خرجت بالملايين في عواصم العالم تأييدًا لفلسطين، أن القضية لم تعد شأنًا محليًا أو إقليميًا، بل قضية إنسانية كونية تمسّ ضمير كل من يؤمن بالعدالة والحرية.
هذه المظاهرات لم تكن تعبيرًا عاطفيًا عابرًا، بل علامة على تحوّل عالمي في الوعي بالعدالة، واتجاهٍ متنامٍ نحو رفض المعايير المزدوجة، وإعادة النظر في مفاهيم الشرعية والحق والسيادة من منظورٍ إنساني عادل.

ومما رفع وتيرة هذا النصر العالمي أن السابع من أكتوبر وارهاصاته نجح في كشف زيف الخطاب الغربي الذي يحتكر مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان خاصة أمام شعوبهم، فقد مارس ساستهم ازدواجية فاضحة في الموقف من قضايا العدالة، في المقابل، أعادت هذه اللحظة الاعتبار للقيم التي نادى بها الإسلام في جوهره: العدل، والكرامة، وحرية الإنسان، فعرّف العالم بالإسلام الحقيقي الذي مثّلته المقاومة وقوتها ليس لدى الاجنحة العسكرية لها بل لدى سكان غزة أجمعين.

علمتنا حركة التاريخ أن لا بقاء لطاغية مهما اشتد وامتد حكمه، ولا خلود لسلطة مهما تراكمت قوتها، فالتاريخ ما هو إلا حركة الإنسان وبإرادة الله وحده، وليس بإدارة المتجبرين من البشر الذين غرهم سلطانهم ومالهم وتناسوا أن الدنيا دول، وأن الأرض في حراك مستمر لا يعرف الثبات على حال. جاء السابع من أكتوبر ليذكر هؤلاء بان الظلم مهما طال امدة فإن الحرية تولد من رحم المعاناة، وان الشعوب التي تمتلك الوعي بحقوقها لا تموت، وإن خفت صوتها في لحظة من الزمن، فطريق الحرية يصفه أمير الشعراء أحمد شوقي فيقول:

دمُ الثوار تعرفه فرنسا                     وتعرف أنه نور وحقُّ
وللحريـة الحمراء بابٌ                     بكل يدٍ مضرّجةٍ يُدَقُّ

هكذا وصف شوقي طريق الحرية، وهو وصف يصدق اليوم على المقاومة الفلسطينية بكل اطيافها والتي أيقنت أن طريق الكرامة لا يُعبّد بالورود، بل بالدماء والتضحيات، عن ما فعلته حماس في السابع من أكتوبر لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل صرخة وعي في وجه عالم فقد طريق الإنسانية وفقد بوصلته الأخلاقية مذكرا الجميع بان الحق لا يموت وإن خذله العالم.

لعل الدرس البارز الذي يُشكر عليه السابع من أكتوبر انه كشف زيف الاعلام العالمي كذلك، فوجدناه ينحاز بوضوح إلى رواية المحتل ويتجاهل المأساة الإنسانية للشعب الفلسطيني، لكن في المقابل صعد الإعلامي الرقمي عبر منصات مستقلة قادها أفراد وصانعي المحتوى ليعيد التوازن في الروايات الإعلامية ويسقط احتكار الكلمة والصورة، فالشاب الفلسطيني نقلت كاميرته أصدق اللحظات من آلاف العناوين في كبريات الصحف وأقوى من الملايين التي أنفقها الصهاينة وأعوانهم لتضليل الرأي العالمية.

أخيرا، ما حدث في السابع من أكتوبر لا يمكن فصله عن حركة التاريخ وسياق الصراع بين الإنسان والظلم، بين القمع والحرية، فالقضية الفلسطينية لم تعد اليوم قضية جغرافيا محدودة، بل أضحت قضية قيم إنسانية شاملة تمسّ وجدان كل أحرار العالم. هذا الوعي العربي والإسلامي والعالمي الذي نهض من سباته أضحى يدرك أن الصراع ليس بين شعبين أو دينين فقط، بل هو بين قيمتي العدل والظلم، الكرامة والاستعباد، الحق والباطل، وهو البداية حتما لمرحلة جديدة من الوعي الإنساني العالمي، سيكتبها المنتصرون في المبدأ والإرادة وليس المنتصرون أصحاب القوة العسكرية.

رحم الله شهداء غزة، من أصغرهم إلى أكبرهم، وجعلهم الله في مقعد صدقٍ مع الأنبياء والصديقين والشهداء. سيظل السابع من أكتوبر شاهدًا خالدًا على وعيٍ لا يُقهر، وصمودٍ لا يلين، ودليلًا على أن الحق مهما طال ليله، فلا بد أن يشرق فجره يومًا، ليُعيد للإنسانية معناها، وللحرية صوتها الذي لا يُسكت.

د. بدرية بنت محمد النبهانية

باحثة ومحاضرة في التاريخ/مدريرة تحرير مجلة إشراق العمانية/ نائب رئيس لجنة كتاب وأدباء الداخلية/ عضو مجلس إدارة الجمعية التاريخية العمانية.

تعليق واحد

  1. مقال رائع يا دكتورة بدرية… كلماتك تلامس صميم الواقع وتكشف بعمق عن تفاصيل موجوده في حياتنا. أسلوبك السلس والمليء بالحكمة يجعل القارئ يعيد التفكير فيما حوله. شكرًا لك على هذا الطرح المميز والإلهام الذي تنثرينه في كل سطر. نترقب المزيد من إبداعاتك.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *