الحادي عشر من ديسمبر .. يوم توحيد التراب العماني

لم يكن النصر في حرب ظفار (1965-1975) نتاجاً للعمليات العسكرية وحدها، بل كان التتويج النهائي لاستراتيجية سياسية ودبلوماسية متكاملة قادها السلطان قابوس بن سعيد منذ توليه الحكم في 23 يوليو 1970. آمن السلطان الراحل بأن “كسب القلوب” يتقدم على كسب المواقع العسكرية، وهو مبدأ تجسد في مقاربته الشاملة التي حولت الصراع من حرب أهلية مدعومة خارجياً إلى قضية وطنية موحدة.
قبل الانخراط في أي مسار دبلوماسي خارجي، كان لابد من بناء جبهة داخلية قوية أدرك السلطان قابوس أن التمرد يُغذيه الإهمال والحرمان والأيديولوجيات الوافدة التي استغلت الفراغ.فكان قراره بإصدار عفو عام للمتمردين خطوة سياسية ذكية للغاية، حيث طمأن سكان ظفار لنواياه الحسنة وأفشل الدعاية المضادة التي صورت النظام على أنه عدو لأهالي المنطقة.
لم يكتفِ بالعفو، بل دمج العائدين في “قوات الفرق الوطنية”، مما منحهم دوراً فاعلاً في حماية منطقتهم، هذا الدمج لم يكن عسكرياً فقط، بل كان إشارة سياسية واضحة على أن أهل ظفار هم جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني العماني بالتوازي مع العمليات، بدأت مشاريع التنمية والبنية التحتية، وتواصل السلطان شخصياً مع القادة المحليين، وهو ما حَيَّدَ الكثير من الدعم الشعبي للجبهة .
كانت حرب ظفار جزءاً من سياق الحرب الباردة، حيث دعمت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي) والاتحاد السوفيتي والصين الجبهة الشعبية لتحرير عُمان، في حين سعت عُمان وحلفاؤها الغربيون والخليجيون لوقف المد الشيوعي. من هنا عمل السلطان قابوس – طيب الله ثراه- على تعزيز تحالفاته المتعددة، فكان الدعم البريطاني حاسماً من الناحية العسكرية والقيادية، حيث زودت بريطانيا الجيش السلطاني العماني بالضباط والطيارين والمستشارين العسكريين الذين لعبوا دوراً محورياً في إعادة هيكلة القوات وتدريبها، كما شاركت وحدات النخبة البريطانية، مثل القوات الجوية الخاصة (SAS)، في عمليات قتالية مباشرة، كان أبرزها معركة مرباط عام 1972 التي شكلت نقطة تحول في الحرب، بالإضافة لسلاح الجو البريطاني.
ومثلت المشاركة الإيرانية التدخل الأكبر من حيث القوات على الأرض، وجاءت بطلب من السلطان قابوس – طيب الله ثراه- ، حيث اعتبر شاه إيران أن وقف المد الشيوعي في ظفار هو دفاع مباشر عن أمن الخليج وإيران. فأرسل ما يقرب من 4000 جندي إيراني إلى عمان.وساهمت القوات الإيرانية بشكل فعال في العمليات العسكرية الكبرى، خاصة في تأمين الحدود مع اليمن الجنوبي وإغلاق طرق الإمداد على المتمردين. ولهذا كان للتدخل الإيراني دور مباشر في تسريع وتيرة الحسم العسكري، مما أدى إلى قلب موازين القوى لصالح القوات الحكومية بشكل نهائي.
كما كان للأردن دور مساند ومهم في هذه الاحداث، حيث قدم الأردن دعماً عسكرياً ومالياً في وقت تخلى فيه العديد من الدول العربية عن عمان بسبب مواقف سياسية متباينة آنذاك. حيث شارك ضباط وجنود أردنيون في القتال، وبعضهم استشهد في جبال ظفار، مما يعكس عمق العلاقات الأخوية بين البلدين. كما ساهمت الخبرات الأردنية في تدريب القوات العمانية وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
كانت هذه التحالفات الدولية والإقليمية هي المفتاح لنجاح استراتيجية السلطان قابوس، حيث وفرت الغطاء العسكري والمادي والسياسي اللازم لتحقيق النصر، مما سمح لعمان باستعادة وحدتها وسيادتها وبدء عصر النهضة الحديثة، ولا نبالغ إن قلنا أن حرب ظفار مثلت صراعاً إقليمياً ودولياً مصغراً، حيث تداخلت فيه مصالح القوى الكبرى وحلفائها الإقليميين. ولهذا جميع هذا الدعم الخارجي حاسماً في ترجيح كفة القوات الحكومية العمانية بقيادة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – .
واستخدمت الدبلوماسية العمانية كافة القنوات المتاحة لفضح الأيديولوجيا الشيوعية للجبهة الشعبية أمام دول الجوار والمجتمع الدولي، الهدف كان التأكيد على أن الصراع ليس تمرداً محلياً، بل تهديداً إقليمياً يستهدف الأنظمة الملكية في الخليج، مما حشد الدعم السياسي والمادي من دول المنطقة.
من ناحية أخرى وعلى الرغم من الدعم اليمني المباشر للمتمردين، أظهر السلطان حكمة سياسية فائقة. عندما كانت القوات العمانية على وشك إغلاق كافة المنافذ البرية في نهاية 1975، جاء تحرك دبلوماسي عبر السفير السوفيتي والحكومة البريطانية ، وافق السلطان على فتح ممر لخروج المحتجزين، مدركاً أن هذه “الرأفة والرحمة” تمثل نصراً معنوياً ودبلوماسياً يفوق النصر العسكري المباشر، كانت هذه الخطوة بداية لتهدئة الأوضاع على الحدود وتمهيداً لإنهاء الدعم الخارجي للتمرد.
وهكذا حل 11 ديسمبر 1975م بمثابة ترسيخ لفكر قائد محتك آمن أن الدبلوماسية ركيزة للسيادة، وأن حرب ظفار كان نتاجاً لتضافر الجهود العسكرية والسياسية، وشاهد على نجاح الاستراتيجية الدبلوماسية للسلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-، والتي اتسمت لاحقاً بـ “الحياد” و”الصداقة مع الجميع وعداء لا أحد”، بدأت ملامحها تتشكل في خضم هذا الصراع. لقد نجحت هذه الدبلوماسية في امرين مهمين يمكن قرآتهما بصورة واضحة في هذه الأحداث وهما: تأمين الدعم العسكري والسياسي الحيوي من الحلفاء الإقليميين والدوليين.، وعزل الجبهة الشعبية فكرياً وسياسياً وإقليمياً. في الجانب الآخر تحويل المتمردين من عملاء لأيديولوجيات خارجية إلى مواطنين عمانيين مدمجين في بناء الدولة.
هذه المقاربة الشاملة هي التي ضمنت “تحرير التراب العماني” بالمعنى الجغرافي والسياسي والاجتماعي، وأرست حجر الأساس لدبلوماسية عمانية مستقلة وفاعلة لا تزال مستمرة حتى اليوم.
فقد شكّلت حرب ظفار واحدة من أكثر المحطات حرجاً في التاريخ العُماني الحديث، وكانت نموذجاً فريداً لكيفية توظيف القيادة السياسية للدبلوماسية والعسكرية والتنمية في مسار واحد يهدف إلى حماية الوطن وإعادة بناء الدولة. وقد نجح السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – في تحويل التحدي إلى فرصة لتوحيد العمانيين وترسيخ حضور عُمان الإقليمي والدولي، وبناء جيش قوي عقيدةً وانتماءً وتخطيطاً.
وفي ظل القيادة الحكيمة لجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – تتواصل مسيرة الوفاء لأولئك الذين صنعوا النصر وحموا الأرض. فقد أولى جلالته اهتماماً خاصاً بالمؤسسة العسكرية، باعتبارها الركن الأصيل في صون سيادة الدولة وحماية مكتسباتها، فامتدّ اهتمامه إلى تحديث منظومات الجيش العُماني، وتعزيز جاهزيته، وتطوير قدراته البشرية والتقنية، ومواصلة بناء العقيدة الوطنية التي تأسست يوم توحّد العمانيون خلف قيادتهم دفاعاً عن عُمان.
