وَهْم النصرِ في عصر الهيمنة الخوارزمية

    تُخبرنا صيرورة التاريخ أو ما يسميه بعضهم بحركة التاريخ أَنَّ النصر في مفهومه المطلق هو: ظاهرة روحية قيمية، لا ترتبط بالغلبة العسكرية أو الاستحواذ الجغرافي الصرف، وهكذا عرفها الوعي الإنساني، وتعاطت معها التيارات الفكرية المختلفة؛ بل وحتى التيارات الهدّامة في المجتمعات ركزت على هذا المنحى في إبراز أيدولوجياتها وأفكارها المنحرفة دينيًا وقيميًا، مع هذا تبرز اليوم لدينا محاولات عالمية لحصر هذا المفهوم في الجانب المادي، ولعل تشابك الخيوط الذي شهده العالم منذ السابع من أكتوبر 2023م بين إسرائيل ككيان محتل، وحركة حماس كحركة مقاومة وطنية، أبرزت هذه الفكرة أكثر، ورفعت معدلات الوعي نحو هذا المفهوم؛ فدخول واشنطن كلاعب ظل في الشرق الأوسط وضعنا أمام مفارقة كونية تاريخية، بين قوة غاشمة تمتلك كل شيء وتفشل في تحقيق أي شيء، وإرادة تمتلك الإنسان والعقيدة فحسب.

     إن وَهْم النصر الذي تركن إليه الولايات المتحدة الأمريكية وحليفها الإسرائيلي ليس مجرد خطأ إستراتيجي؛ بل هو إنكار واضح للحقيقة، إذ يظن الإنسان أنه فوق كل شيء، مُعتدًا بما لديه من آلات متقدمة وتكنولوجيا تفوق التوقعات، وهو ما ظهر اليوم جليًا من جَرٍّ للعالم نحو حافة الهاوية تحت مسمى الاستقرار بالقوة.

     بدأت القصة حينما دخل الكيان الإسرائيلي معركته مع حماس، وهو يركن إلى منظومة أمنية رقمية اعتُبرت الأرقى عالميًا. كان الاعتقاد السائد هو أن الجدار الذكي، والقبة الحديدية، والمستشعرات الفائقة، وخوارزميات التنبؤ، قد حَيَّدت الإنسان في الطرف المقابل؛ لكن السابع من أكتوبر2023م لم يكن خرقًا عسكريًا فحسب؛ بل كان زلزالاً معرفيًا حَطَّم نرجسية السلاح.

حين تعجز الطائرات المسيرة (Drones) والذكاء الاصطناعي عن رصد إرادة التحرر، ينكشف وَهْم النصر التقني. إن الاحتلال اليوم يعيش حالة من الفصام؛ فهو ينتصر في الصورة عبر تدمير الأبراج والمنازل، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وتمادى حدَّ قتل الإعلاميين؛ لكنه يُهزَم في المعنى؛ لأنه لم يستطع انتزاع استسلام واحد، ولم يتمكن من تحويل تفوقه الناري إلى أمن سياسي؛ بل أظهرته وسائل الإعلام الغربية -قبل الشرقية- في موقف المهزوم في أكثر من موقف. هذه سيكولوجيا القوي المذعور الذي يقتل أكثر؛ لأنه يدرك في قرارة نفسه أنه خسر هيبة الردع التي استثمر فيها لعقود.

ولا يمكننا فهم الصراع الحالي بمعزل عن الدور الأمريكي، الذي لم يعد يكتفي بالدعم؛ بل بات يمارس الإدارة المباشرة للصراع، فواشنطن تعيش تحت وطأة عقيدة الاستثناء الأمريكي، والتي يعكسها دونالد ترامب بكل وضوح اليوم، هذه العقيدة التي ترى أن امتلاك القوة المطلقة يمنحها الحق في الأخلاق المطلقة.

هذا المنطق الذي نراه من خلال قيام الولايات المتحدة عبر بوارجها وحشودها العسكرية في المنطقة بإرسال رسالة للعالم مفادها: نحن من يكتب الخاتمة. لكن هذا الحضور العسكري الكثيف هو في الحقيقة اعتراف ضمني بفشل القوة الناعمة، إن لجوء واشنطن لتهديد العالم بقوة السلاح، وفرض الحصار التجاري والسياسي على كل من يخالف سرديتها، هو دليل على تآكل ما نسميه بالشرعية الأخلاقية للنظام الدولي الذي تقوده – إن وجدت شرعية أخلاقية-.

    إن الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تشبه إمبراطورية في حالة إنكار؛ تعتقد أن السيطرة على ممرات التجارة، وتحريك الأساطيل سيعيد الزمن إلى لحظة القطبية الواحدة، متجاهلة أن العالم المعاصر بات أكثر تعقيدًا من أن تختزله فوهة بندقية، أو تقنية ذكاء اصطناعي، وأن إيمانها بالنصر لمجرد قدرتها على حماية حليفها، هو وَهْم يغفل عن حقيقة ساطعة وهي: أن الشعوب لم تعد تخشى التهديد، وأن كلفة الهيمنة باتت تفوق فوائدها.

في الجانب الآخرتبرز غزة كنموذج بشري صامد رغم ضعف الإمكانات والقدرات المادية خاصة، هنا، تسقط فرضيات العلوم السياسية التقليدية التي تقيس موازين القوى بعدد الدبابات، ونوعية الصواريخ، وبضخامة الاقتصاد خاصة المعرفي، مثلت المقاومة في غزة بالتحديد بعد السابع من أكتوبر حالة من إعادة إحياء للوعي البشري، حينما يتحول الإيمان المرتكز على عقيدة راسخة إلى عمل مادي يراه العالم يوميًا، مما أسهم في إعادة إحياء القضية الفلسطينية، والنظرة للكيان الإسرائيلي باعتباره مغتصب ومحتل للأراضي الفلسطينية.

بشكل عام إن المواجهة بين حماس من جهة وإسرائيل وحلفائها من جهة أخرى هي مواجهة بين فكرتين أو عقيدتين:

  1. العقل الأدواتي (Instrumental Reason): الذي يمثله الكيان الصهيوني وحلفائه، والذي يرى في الإنسان مجرد رقم أو هدف يمكن محوه بضغطة زر.
  2. العقل القيمي/الوجودي: وهو الطرف الذي تمثله المقاومة؛ حيث تصبح الأرض جزءًا من الهوية، والموت جزءًا من الانتصار، وهو الهدف الذي يوجه للرأي العام العالمي اليوم.

ويمكن المفاضلة بين العقلين في الرؤية التحليلية العامة للإعلام العالمي؛ ففي الوقت الذي تتفاخر فيه إسرائيل وحلفاؤها باستخدام القنابل الذكية والذكاء الاصطناعي في اصطياد الأهداف، خاصة استهداف المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ، ثم الاستهداف المتكرر لقيادات الحركة العسكرية، فإنهم في الواقع يعلنون إفلاسهم الإنساني، ونراه إعلانًا ضمنيًا بالهزيمة، فالعالم يدرك اليوم أن النصر الذي يتحقق فوق أشلاء المدنيين ليس إلا هزيمة أخلاقية مدوية، ستظل تلاحق مرتكبيها ومن وقف في صفها لقرون قادمة.

من جانب آخر يظهر أمامنا مفهوم آخر يمكننا تسميته بوَهْم السيطرة الكونية وتآكل المركزية الغربية، فما تفعله الولايات المتحدة اليوم هو محاولة يائسة لمنع التعددية القطبية من البروز، وتوضح بما لا يدع مجالا للشك أنها ترفض أية تعددية في القوة، وأنها وحدها تملك القرار العالمي، فنراها تنتهك القانون الدولي هنا وهناك، كل هذا ينطلق من إدراكها التام أن سقوط المشروع الصهيوني أو انكساره في غزة يعني نهاية سيطرتها على الشعوب، وبالتالي تآكل قدرات الضبط الإستراتيجي على السيطرة على الأنظمة المساندة لهم، مما سيحتم سقوط الأسباب التي ينطلقون من خلالها للهيمنة على الشرق. وما رفع الفيتو لأكثر من مرةٍ ضد أي قرار لوقف الجرائم الإنسانية في غزة، وقصف اليمن وإيران إلا أدلة على ذلك، ولعل الحدث الأبرز والذي شكل أيضًا تأكيدًا لما أسلفناه هو ما حدث في فنزويلا؛ حيث أطلقها صراحة الرئيس الأمريكي نحن نريد استعادة السيطرة على موارد الطاقة، دون تفكير فيما قد يعقب ذلك، من فرض مفهوم غطرسة القوة.

إن غطرسة القوة تحجب نور الحقيقة عن واشنطن، التي أيضا كما يبدو لم تُحسن دراسة التاريخ رغم أنهم يقدمون أنفسهم كعرابي السياسة العالمية، وهو ما نسميه بـ “حركة التاريخ”، فلا قوة تدوم ولا ضعف يدوم، وقواعد اللعبة السياسية تحكمها المصالح والمتغيرات، والرأي العام الأمريكي خاصة والعالمي عامة له كلمته كذلك، وإن كنا نرى أن المظاهرات التي اجتاحت شوارع لندن وواشنطن بالذات أثارت رعب الساسة في واشنطن ولندن وتل أبيب، فالوعي الجديد لدى جيل زد (Gen Z)، كلها مؤشرات على أن سردية النصر الغربية لم تعد صالحة للاستهلاك، والتكنولوجيا التي تفاخرت بها أمريكا وحلفائها كوسيلة للسيطرة، أصبحت هي نفسها وسيلة لفضح جرائمها عبر البث المباشر، مما ساهم في انكشاف الحقيقة الواقعية حول وَهْم النصر الذي سعت الولايات المتحدة الامريكية لتأطيره للكيان المحتل.

   ختامًا، ينبغي أن ندرك أن وَهْم النصر هو المرض الذي يسبق الانهيار دائمًا لدى القيادات الديكتاتورية النرجسية، فالإمبراطورية الرومانية كانت ترى نفسها وريثة للحضارة الإغريقية، وإن توسعاتها في الشرق جعلت منها سيدة للعالم، وجاءت القوى الاستعمارية منذ القرن السادس عشر لترى في نفسها الامبراطورية التي لن تغيب الشمس عن ممالكها، واليوم تكرر الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهم ذات الخطيئة التاريخية.

إن النصر ليس هو من يملك الكلمة الأخيرة في ساحة المعركة؛ بل هو من يملك الشرعية في وجدان البشر، فحماس، ومن خلفها الشعب الفلسطيني، قد حققوا نصرًا إستراتيجيًا منذ اللحظة التي برهنوا فيها أن إرادة البقاء أقوى من آلة الفناء، وأن الحرية حق للشعوب لا يمكن حتى لأكثر آلة حربية متطورة أن تدمرها. أما إسرائيل وأمريكا، فمهما بلغت سطوتهما، فإنهما يغرقان في وحل الانتصارات التكتيكية، التي لا تؤدي إلا إلى هزيمة إستراتيجية كبرى.

في الختام، يعلمنا التاريخ أن الغطرسة هي أولى خطوات السقوط، وأن التكنولوجيا قد تربح معركة، لكنها أبدًا لا تنهي صراعًا وجوديًا تضرب جذوره في أعماق الأرض والضمير الإنساني.

د. بدرية بنت محمد النبهانية

باحثة ومحاضرة في التاريخ/مدريرة تحرير مجلة إشراق العمانية/ نائب رئيس لجنة كتاب وأدباء الداخلية/ عضو مجلس إدارة الجمعية التاريخية العمانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *