تاريخ عُمان بين الحقيقة التاريخية والمصطلحات المستحدثة

شهدت شبه الجزيرة العربية تحولات تاريخية متعاقبة منذ عصور ما قبل التاريخ، غير أن مسيرتها السياسية والحضارية، حتى مشارف الثورة الصناعية وما تلاها بقليل، لم تتشكل إلا في نطاق أقاليم تاريخية راسخة امتلكت مقومات الدولة والفاعلية الحضارية، وقد برزت عُمان في طليعة هذه الأقاليم بوصفها كياناً سياسياً وحضارياً متجذراً إلى جانب حضارات اليمن القديمة ودلمون، وما تزال شواهد حضورها السياسي والإنساني خالدة لا يمكن تجاوزها او إنكارها.

ورغم أن الجيل اليوم يرى في ” التاريخ” حكايا للماضي فقط لا فائدة منها لأسباب معروفة، إلا أن هناك الكثير من الكيانات السياسية المستحدثة تسعى لإعادة كتابة تاريخ المنطقة، تهدف هذه المحاولات إلى إثبات حق وجودي لم تعرفه البشرية، ليس بحثا عن الحقيقة التاريخية وإنما سعياٍ لبناء تاريخ يوحي بأنها وجدت قبل التاريخ، وأن مرتكزها التاريخي يمثل نقطة انطلاق لوجودها في القرون الحديثة، ومع الأسف، ينجرف الكثيرون نحوها كما انجرفوا نحو المفاهيم التي فرضها الاستعمار والاستشراق على أقسام التاريخ في عالمنا العربي والإسلامي.

ومن هنا، ولأننا في عُمان لا نتعامل مع التاريخ باعتباره ماضي فقط، وإنما ننطلق منه للحفاظ على هويتنا الوطنية، فإن محاولات التشويه له لا يمكن القبول بها. فما يُفرض اليوم من مصطلح كـ ” شبه الجزيرة العُمانية” بل وتبنيه من قبل مؤسسات أكاديمية يثير العديد من علامات الاستفهام، ليس تشكيكا في القائمين عليها، بل تساؤلا حول واقعية المصطلح ووجوده التاريخي والجغرافي.

إن المتصفح في سياقات المصطلح هذا يدرك أن لم يأتِ من الداخل العُماني، بل أُقحم إقحاماً لتشتيت مركزية عُمان باعتبارها تمثل (مجان) التاريخية القديمة، فحين ندرس الأدلة التاريخية كالكتابات المسمارية السومرية مثلا تذكر مجان ككيان حضاري متصل ذي نفوذ اقتصادي وسياسي ، فكيف لكيان بهذا الثقل أن يتحول إلى “شبه جزيرة” في القاموس الحديث؟إن هذا المصطلح يخدم بالدرجة الأولى فكرة المساواة القسرية بين الدولة العُمانية والتشكيلات السياسية حديثة العهد، التي ظهرت نتيجة لاتفاقيات القرنين التاسع عشر والعشرين ضمن مشروع استعماري لتفتيت القوى التي عرفها العالم القديم. ومن الناحية الأنثروبولوجية، فإن مصطلح ” شبه الجزيرة العُمانية” يكرس للتجزئة الجغرافية، ففي حين أن النسيج الاجتماعي والقبلي يمتد من جلفار شمالا الى ظفار جنوبا دون أن يعرف حدودا سياسية، هذا الانسان العُماني هو من بنى الحضارة العُمانية واستفاد من موارده الطبيعية، وشق الافلاج حوّل الأرض الجافة إلى أرض خصبة كما نجح العُماني في تسخير سواحله فطور الملاحة البحرية وبناء السفن، فازدهرت موانئ صور، ومسقط، وصحار، و سمهرم. كل هذا لا يجب أن نغفل عن النظرة إليه حينما يُبتدع مصطلح لا يراعي هذا التوازن بين أجزاء عُمان جميعها، والتي قد تصل اذا ما تعمق اكثر لفك وحدة الولاء التي ربطت القبائل العُمانية بأنظمتها السياسية عبر التاريخ.

إن الوثائق التاريخية تؤكد أن هذه الجغرافيا كانت أرضا واحدة وليست “جغرافيا مجاورة”، ويجب علينا كباحثين الحذر من المصطلحات الواردة في الوثائق الأجنبية خاصة الصادرة عن الوكلاء والمقيمين السياسيين البريطانيين الذي استخدموا المصطلحات لهندسة كيانات سياسية وظيفية لهم في المنطقة، في محاولات لتفكيك الإمبراطورية العُمانية في القرن التاسع عشر.

إن الجغرافيا ثابتة لا تتغير لكن الخطر الكامن اليوم في تسييس الجغرافيا لإعادة كتابة التاريخ، فمصطلح ” شبه الجزيرة العُمانية” يُمثل غطاء شرعي تاريخي على واقع تاريخي معاصر، ومحاولة ” للسطو الهادئ” على المجد التاريخي العُماني، وتحويل الحق التاريخي لعُمان إلى إرث يتقاسمه الجميع، إن عُمان لم تكن جزءا من أي إقليم بل كانت هي الإقليم ذاته، في الختام، إن الحفاظ على المصطلحات الواقعية تاريخيا هو استعادة للسيادة التاريخية لعُمان، فعُمان ليست مجرد “شبه جزيرة” بل ظلت عبر العصور محوراً رئيسا في المنطقة، أي محاولة لتشويه هذه الحقيقة لن تصمد أمام شواهد القلاع والنصوص والرسومات الصخرية، التي تؤكد أن عُمان هي الأصل، وأن الدفاع عن ” عُمان التاريخية” هو دفاع عن الأمانة العلمية وحق الأجيال في معرفة من وضع لبنات الحضارة الأولى في الجزء الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية.

د. بدرية بنت محمد النبهانية

باحثة ومحاضرة في التاريخ/مدريرة تحرير مجلة إشراق العمانية/ نائب رئيس لجنة كتاب وأدباء الداخلية/ عضو مجلس إدارة الجمعية التاريخية العمانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *