“أنثى القصيدة”.. قراءة نقدية لصورة المرأة في الشعر المغربي للكاتبة وضيحة الجملي

مسقط/ 30 مارس 2026/ إشراق: صدر حديثًا عن دار البديل للنشر والتوزيع بالأردن كتاب بعنوان “أنثى القصيدة… المرأة في الشعر بين البعث والعبث للكاتبة وضيحة الجملي، في عمل نقدي يقدّم قراءة فكرية وجمالية معمّقة لصورة المرأة في الشعر المغربي الحديث، كاشفًا عن تحولات القصيدة في سياقها التاريخي والاجتماعي، وما رافقها من جدل فكري حول موقع المرأة ودورها.

ينطلق الكتاب من رؤية شاملة لمسار الشعر المغربي الحديث؛ إذ يسبح عبر حقبه التاريخية متأمّلًا التحولات التي هزّت روح القصيدة، وأخرجت الشاعر من شرنقة الذات إلى فضاءات الجماعة والوطن. فالشعر المغربي، كما تتصوّره الكاتبة، هو لسان أمة، تغنّى بالحب والانتشاء والانكسار، وفضح الاستبداد والاحتلال، حتى غدت القصيدة منبرًا للنضال والصراخ المكتوم، تبشّر كلما تهدّدت الأمة، وتسرد وجعها على مشارف التحرر.

ويأتي الكتاب في بناء منهجي يتكوّن من مدخل وفصلين رئيسيين، حيث يفتتح بمدخل فلسفي يطرح سؤال الشعر بوصفه حالة إنسانية متجددة، لا تُختزل في البنية الشكلية، بل تتجلى كفعل داخلي يعكس التزام الشاعرة/الشاعر بقضايا الإنسان وتفاعله مع تحولات الحياة. وفي هذا الأفق، تحضر المرأة بوصفها “القصيدة الأولى”، ورمزًا ممتدًا بين ثنائية البعث والعبث، وبين إشراق الأمل ومرارة الانكسار، بما يجعلها مركزًا دلاليًا وجماليًا في التجربة الشعرية.

ويستعرض المدخل أيضًا المسار التاريخي للشعر المغربي، مع تركيز خاص على مرحلة الحماية الفرنسية والإسبانية (1912–1956)، التي شكّلت منعطفًا حاسمًا في وعي القصيدة، نتيجة احتكاك المجتمع المغربي بالثقافة الغربية. وفي هذا السياق، برزت قضية المرأة كإحدى القضايا المركزية التي شغلت الخطاب الشعري، متأرجحة بين رؤى إصلاحية تدعو إلى تحررها وتعليمها، وأخرى محافظة تتمسك بثوابت التقاليد.

أما الفصل الأول، فيتجه إلى دراسة واقع المرأة في الشعر المغربي خلال تلك المرحلة، عبر مقاربات نظرية تستند إلى أبعاد اجتماعية وتاريخية، حيث ترسم الكاتبة صورة المرأة بين التهميش والبطولة، بين القيود الاجتماعية وإشراقات النضال. كما تستحضر نماذج نسائية بارزة في التاريخ المغربي والإسلامي، وتسلّط الضوء على تجارب شعرية لعدد من الأعلام، من بينهم علال الفاسي، كاشفةً عن صراع فكري بين تيار محافظ يرى في تحرر المرأة تهديدًا للقيم، وتيار إصلاحي يدعو إلى تمكينها وإدماجها في مشروع بناء المجتمع.

وفي الفصل الثاني، ينتقل الكتاب إلى تحليل الدلالات الفكرية والاجتماعية والفنية للنصوص الشعرية، حيث تتناول الكاتبة البنية الإيقاعية واللغوية، مبرزةً حضور الجناس والتكرار والنبرة الخطابية التي تعكس حدة الصراع بين الحداثة والتقليد. كما تتوقف عند الصورة البلاغية، حيث تتعدد تمثلات المرأة بين رمزية الفتنة والطهر، والألم والانعتاق، فتغدو أحيانًا زهرة أو شمسًا أو غزالة، وأحيانًا أخرى رمزًا للقلق والاختلال القيمي.

ولا يغفل الكتاب البعد الثقافي العميق، إذ يناقش ظاهرة التناص مع النصوص الدينية، خاصة القرآن الكريم، واستحضار الشخصيات النسائية في التراث الإسلامي، إلى جانب امتدادات الشعر المغربي نحو المشرق العربي، بما يعكس تفاعلًا حضاريًا واسعًا أسهم في تشكيل رمزية المرأة داخل القصيدة.

وتختتم الكاتبة عملها برؤية تحليلية ترصد استمرار الصراع بين اتجاهين متقابلين: اتجاه محافظ يُحمّل المرأة مسؤولية تدهور القيم كلما اقتربت من فضاء الحرية، واتجاه إصلاحي يرى في تعليمها وتمكينها مدخلًا لنهضة المجتمع، مؤكدًا أن العلم لا ينتقص من هويتها، بل يعيد إليها كرامتها ويعزز حضورها كشريك فاعل في بناء الوطن.

ويُعد هذا الإصدار إضافة نوعية للمكتبة النقدية العربية، إذ يجمع بين العمق التحليلي والبُعد الفكري، مقدّمًا قراءة شاملة لمعركة إنسانية وفكرية لم تهدأ بعد: معركة المرأة بين قيود الماضي وآفاق البعث، بين الظل والضياء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق