الثالث والعشرون من يوليو: الذاكرة التي لا تشيخ

للأمم في مسيرتها الحضارية أيام لا تُقاس بعدد ساعاتها؛ بل بما تتركه من أثر في وجدان شعوبها، وبما تفتحه أمامها من آفاق جديدة. فالتاريخ ليس مجرد تعاقب للأحداث أو سجل للوقائع، وإنما هو الذاكرة التي تصوغ وعي الأمة بذاتها، وتمنحها الإحساس بالاستمرار عبر الزمن. ومن هنا يصبح الاحتفاء بالأيام التاريخية فعلًا حضاريًا يتجاوز حدود المناسبة العابرة؛ لأنه يجدد الصلة بين الأجيال، ويُرسخ الهوية، ويُبقي المعاني الكبرى حاضرة في الوجدان الوطني.
وربما يرى بعضهم أن استدعاء التاريخ انشغال بالماضي أكثر مما هو اهتمام بالحاضر والمستقبل، غير أن التجربة الإنسانية أثبتت عكس ذلك؛ فالأمم التي تفقد ذاكرتها تفقد معها قدرتها على فهم ذاتها وتحديد وجهتها. واستعادة الأيام المفصلية ليست ارتدادًا إلى الوراء؛ إنما هو استحضارٌ لرصيد من الخبرة والدروس والقيم التي تُعين الأجيال الجديدة على مواصلة المسيرة بثقة ووعي. وحين تتوقف أمة عند محطة تاريخية للتأمل والمراجعة، فإنها تؤكد أن حاضرها امتداد لماضيها، وأن المستقبل الذي تطمح إليه لا ينفصل عن الجذور التي انطلقت منها.وفي التاريخ العُماني الحديث يبرز الثالث والعشرون من يوليو 1970م بوصفه واحدًا من الأيام الفارقة التي غيّرت مسار الوطن. ففي ذلك اليوم تولى السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور -طيب الله ثراه- مقاليد الحكم في عمان، لتبدأ معه مرحلة جديدة فتحت لعُمان أبواب التحول والتنمية والانفتاح على العالم. ومنذ تلك اللحظة انطلقت مسيرة بناء شاملة نقلت البلاد من واقع محدود الإمكانات إلى دولة حديثة تقوم على أسس راسخة من المؤسسات والتنمية، والاستثمار في الإنسان.
ولتتضح أهمية هذا التحول، ينبغي أن نستحضر صورة عُمان قبل تلك المرحلة؛ إذ كانت البلاد تعاني محدودية الخدمات الأساسية، وقلة المدارس والمرافق الصحية، وندرة الطرق الحديثة، فضلًا عن التحديات السياسية والأمنية التي كانت تلقي بظلالها على استقرار الوطن ووحدته. وفي ظل تلك الظروف جاءت النهضة العُمانية استجابة لحاجة تاريخية ملحة، ففتحت آفاقًا جديدة للتنمية، وأعادت الثقة بقدرة الإنسان العُماني على صناعة مستقبله.
غير أن القراءة المتأنية لهذا اليوم تقتضي ألا ننظر إليه باعتباره “البداية من الفراغ”؛ فنهضة عُمان الحديثة لم تنشأ على أرض بلا تاريخ، وإنما قامت على إرث حضاري ضارب في العمق. فعُمان التي عبرت سفنها البحار إلى الصين والهند وشرق أفريقيا، والتي امتد نفوذها يومًا إلى زنجبار، كانت أمة عرفت التجارة والملاحة والعلم والدولة عبر قرون طويلة. ومن هذه الزاوية يبدو الثالث والعشرون من يوليو امتدادًا لمسيرة تاريخية متواصلة، أعادت عُمان من خلالها تفعيل طاقتها الحضارية، واستئناف دورها في البناء والعطاء.ولعل من أهم ما يميز تلك التجربة أنها استندت إلى القيم العُمانية الأصيلة؛ قيم الاعتدال والتسامح والحكمة والانفتاح المتوازن على العالم. وهي قيم لم تكن طارئة على الشخصية العُمانية؛ بل امتدادًا لخبرة تاريخية طويلة أسهمت في تشكيل مكانة عُمان ودورها الإقليمي والدولي.إن قيمة الأيام التاريخية لا تكمن في الحدث نفسه بقدر ما تكمن في المعاني التي تظل متجددة عبر الزمان.
والثالث والعشرون من يوليو يذكرنا بأن التحولات الكبرى تبدأ دائمًا برؤية واضحة وإرادة صادقة، وأن بناء الأوطان لا يتحقق بالإمكانات المادية وحدها؛ بل بالاستثمار في الإنسان أولًا. ولذلك كان التعليم والصحة وتنمية الإنسان العُماني في صدارة أولويات مشروع النهضة، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن التنمية الحقيقية تبدأ من بناء الإنسان قبل العمران.كما يحمل هذا اليوم درسًا مهمًا في الاستمرارية؛ فالنهضة لم تكن مشروع مرحلة محدودة؛ بل مسارًا متصلًا تعاقبت عليه الأجيال، ويواصل اليوم حضوره في مسيرة التنمية الوطنية بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ من خلال استشراف المستقبل وتعزيز المكتسبات وترسيخ توجهات رؤية عُمان 2040.
وحين نستحضر الثالث والعشرين من يوليو فإننا لا نستعيد ذكرى تاريخية فحسب؛ بل نجدد عهدًا مع القيم التي صنعت تلك المرحلة ومع المسؤولية الملقاة على عاتق الأجيال القادمة. فما تحقق لعُمان لم يكن وليد المصادفة، بل ثمرة رؤية وعمل وإخلاص وتضحيات تراكمت عبر السنين. ومن هنا تظل المحافظة على هذا المنجز الوطني وتطويره مسؤولية مشتركة تتطلب وعيًا بتاريخ الوطن وإيمانًا بمستقبله.
وتبقى الحقيقة الأهم أن الأمم الحية هي التي تحسن توظيف ذاكرتها في خدمة مستقبلها؛ فلا تقف عند الماضي أسيرة له، ولا تنفصل عنه متجاهلة دروسه، إنما تجعل منه مصدر إلهام وقوة. وفي هذا المعنى يظل الثالث والعشرون من يوليو أكثر من مجرد تاريخ في التقويم؛ إنه محطة مضيئة في الوعي الوطني، نستذكر من خلالها ما أنجز، ونستلهم منه ما يعيننا على مواصلة البناء لعُمان التي نعتز بها، وعُمان التي نتطلع إليها، وعُمان التي ستواصل مسيرتها بعزيمة أبنائها وإخلاصهم ووفائهم لهذا الوطن.



