خريف ظفار …حين تحتاج الطبيعة إلى ذاكرة ثقافية

ونحن نستعد لمغادرة محافظة ظفار، بعد أيام جميلة قضيناها بين ضبابها وخضرتها ودفء أهلها، وختمناها بزيارة لمعرض ظفار للكتاب، وجدت نفسي أمام سؤال مهم: كم زائرا يستقبل الموسم كل عام؟ ماذا أخد الزائرون معهم غير الصور والذكريات؟
يحقق خريف ظفار نجاحًا سياحيًا لافتًا، وهذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان، إلا أن إمكاناته تتجاوز كونه موسمًا سياحيًا فحسب؛ فهو مؤهل لأن يصبح موسمًا ثقافيًا متكاملًا يوازي جمال الطبيعة، ويضيف إليها قيمة معرفية وفنية وإنسانية تبقى آثارها في الذاكرة بعد انتهاء الرحلة الموسمية.
فالموسم يمتلك جميع مقومات النجاح؛ من إقبال جماهيري واسع، وبيئة طبيعية آسرة، وأجواء نفسية مهيأة للتفاعل والاستمتاع، إلى حضور زوار من مختلف محافظات سلطنة عُمان ومن خارجها. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل نحسن استثمار هذا الحضور بما يحقق الأثر الثقافي والمعرفي المنشود، أم نكتفي بالنجاح السياحي وحده؟
الزائر الذي يأتي إلى ظفار لا يبحث عن المشهد الجميل وحده؛ بل عن تجربة متكاملة. وإذا وجد إلى جانب الطبيعة كتابا، وندوة، وأمسية، وفنا، وحكاية عن المكان، فإن علاقته بالموسم ستصبح أعمق وأطول أثرا.
لا أرى الثقافة ترفا يضاف إلى السياحة عند الحاجة، بل جزءا من جودة التجربة السياحية نفسها. فالسياحة اليوم لم تعد قائمة على زيارة المكان فحسب، بل على سبر مكنوناته والاقتراب من ذاكرته ورموزه . هنا تحديدا تأتي أهمية – من وجهة نظرنا – خريف ظفار من برنامج ذي فعاليات متفرقة إلى مشروع واضح الهوية، يعرف الزائر ملامحه قبل أن يصل، ويضع له مساحة في جدول رحلته.
من هنا تبدو فكرة معرض خريف ظفار للكتاب خطوة مهمة، لكنها لا ينبغي أن تبقى خطوة معزولة، فالمعرض يجب أن يكون نواة لبرنامج ثقافي أوسع، لا مجرد محطة عابرة داخل الموسم، أو بضع طاولات عرض كما نراه اليوم، فينبغي أن يرتبط المعرض بمهرجان ثقافي متكامل، أمسيات للكتاب، ولقاءات مع القراء، وورش للأطفال، ومنصات للفنانين، وحوارات عن تاريخ عمان عامة وظفار خاصة، واستعراض للموروث المحلي، فمعرض الكتاب ليس استعراضا للكتاب وحده، لكنه يصبح أكثر تأثيرا حين يتحول إلى حركة ثقافية حوله. وظفار تملك ما يكفي لتقدم نفسها ثقافيا بثقة. لديها تاريخ اللبان وطرق التجارة، ولديها الموروث الشعري و الحكواني واللغوي، ولديها ا الإنسان الذي يمنح المكان روحه الخاصة، لذلك لا تحتاج المحافظة إلى هوية مستعارة؛ بل إلى إبراز هويتها القائمة بلغة عصرية وتنظيم واضح وتسويق أفضل. فالجبال والعيون والشواطئ تجذب الزائر، لكن الذاكرة هي ما تجعله يعود، ولهذا فالبعد الثقافي له أثره الاقتصادي أيضا. فعندما يجد الزائر فعالية تستحق الحضور، قد يمدد إقامته ليلة إضافية. وحين يشتري كتابا أو عملا فنيا أو منتجا حرفيا، فهو يساهم في دعم الكاتب والناشر والفنان والحرفي والشاب الباحث عن فرصة. الثقافة هنا ليست خطابا جميلا فقط، بل اقتصاد محلي صغير يمكن أن يكبر إذا ما أُحسن تنظيمه.
ومن وجهة نظرنا، ليس الإكثار من الفعاليات هو المغزى من فكرة مهرجان الثقافة لمجرد ملء الجدول، بل العمق يكون بوضع برنامج ثقافي له عنوان سنوي ورسالة واضحة وخريطة فعاليات موزعة بعناية، وشراكة مع مؤسسات ثقافية وتعليمية وإعلامية؛ تعرّف الزائر بأن خريف ظفار ليس للطبيعة وحدها؛ بل لبعد ثقافي يشمل المعرفة والفن والذاكرة. فالثقافة تحمي خصوصية المكان، في زمن تتشابه فيه الوجهات السياحية وتتنافس على الصورة الأسرع انتشارا، تبقى الهوية هي العنصر الأصدق والأبقى.
إن تحقيق هذا الطموح لا يمكن أن يتم إلا من خلال شراكة حقيقية بين الجهات المعنية بالثقافة والسياحة، والقطاع الخاص، والجامعات، والمؤسسات الثقافية، إلى جانب الفنانين ووسائل الإعلام بمختلف منصاتها. كما يتطلب ذلك تخطيطًا أكثر فاعلية، يتضمن ترويجًا مبكرًا، وجدولة واضحة للفعاليات، واختيار مواقع مناسبة، وصياغة رسالة إعلامية مؤثرة تجعل الفعاليات الثقافية عنصرًا أساسيًا في قرار السائح بزيارة ظفار، لا مجرد خبر يطالعُه بعد انتهاء رحلته ومغادرته للموسم.
ختاما، إن موسم خريف ظفار لا ينقصه الجمال ولا الجمهور، ما يحتاجه اليوم هو أن يتحول هذا الجمال وهذا الجمهور إلى فرصة ثقافية منظمة. فحين يصبح معرض الكتاب بداية لا نهاية، وخين تصبح الفعاليات الثقافية جزءا أصيلا من خريف ظفار، حينها سنكون أمام موسم أكثر نضجا؛ موسم يغادر الزائر بصورة في هاتفه، وكتاب في حقيبته، وفكرة في ذاكرته.




