لماذا التربية المواطنية ليست كتابًا أو حصة دراسية؟

في تلك الساحة، وبين جدران المدرسة، تقف راية عُمان في مقدمة الطابور، وكأنها تنتظر أبناء الوطن كل صباح، وما إن تبدأ في الارتفاع ببطء حتى ترتفع معها أعين الطلبة، وتتجه أنظارهم نحو السماء، في مشهد تتجلى فيه هيبة العلم وعظمة الوطن، ثم يصدح النشيد الوطني في أرجاء المدرسة: “يا عُمان نحن من عهد النبي”، فتتردد كلماته في جنبات المكان، ويقف الطلبة في لحظة يختلط فيها الاعتزاز بالانتماء، والولاء لجلالة السلطان بالوفاء لعُمان، والدعاء بأن تبقى عُمان حرةً عزيزةً شامخة.
في تلك اللحظة، لا تبدو المواطنة مفهومًا مجردًا يُلقّن للطلبة، وإنما تتحول إلى شعور يُعاش كل صباح، وممارسة تتشكل في وجدانهم يومًا بعد يوم، فمن هنا، من ساحة المدرسة، تبدأ الحكاية؛ حين تصبح المواطنة جزءًا من تفاصيل الحياة المدرسية، وبداية لكل صباح، وإشراقة لكل يوم.
وتستكمل بداية الصباح بعد تحية العلم ببرنامج الإذاعة المدرسية، الذي يبدأ بآيات من القرآن الكريم، ثم الحديث النبوي الشريف، في مشهد يربط العلم بالهوية، ويؤكد أن الإسلام يمثل أحد المرتكزات الأساسية في حياة المجتمع العُماني وقيمه وثقافته، فتسكن الكلمات في نفوس الطلبة، ويكتسب المكان مزيدًا من الوقار والهيبة، ويصبح الصباح المدرسي أكثر من مجرد بداية ليوم دراسي؛ إنه لحظة يتشكل فيها الوعي، وتُغرس فيها القيم، ويبدأ فيها بناء الإنسان.
فهنا، في المدرسة لا يبدأ التعليم من الكتاب وحده، وإنما يبدأ من بناء الإنسان، ومن ترسيخ القيم التي توجه سلوكه وتحدد علاقته بدينه ووطنه ومجتمعه والآخرين.
يدخل المعلم العُماني إلى الصف بهيبة الشخصية العُمانية ووقارها، مرتديًا عمامته العُمانية التي تختزل في تفاصيلها ملامح الهوية الوطنية، يبدأ لقاءه بالطلبة بتحية تحمل دفء الأبوة والانتماء: “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا أبناء عُمان”. ومن هذه اللحظة يبدأ معنى آخر للتربية؛ حيث تمتزج الهوية بالعلم، ويتحول التعليم إلى رسالة، والعطاء إلى مسؤولية، والإخلاص للوطن إلى سلوك يُرى قبل أن يُقال.
فالمعلم العُماني لا يمثل أمام طلبته ناقلًا للمعرفة فحسب، بل يقف أمامهم بوصفه أحد النماذج الحية للمواطن المؤمن بوطنه، المخلص له، والمؤتمن على مستقبله، وفي مظهره وسلوكه وحديثه وتعاملاته، يستطيع أن يترك أثرًا أعمق من أثر الكتاب المدرسي.
إن مهمته لا تنتهي عند شرح الدرس أو نقل المعلومة، وإنما تمتد ليكون مربيًا ومنشئًا للوعي، وموجهًا للسلوك، ومصلحًا حين يحتاج الأمر إلى الإصلاح، وغارسًا في نفوس الطلبة قيم المواطنة والانتماء والمسؤولية، فالمدرسة قد تمنح الطالب المعرفة، لكن المعلم هو الذي يستطيع أن يحول هذه المعرفة إلى وعي، وهذا الوعي إلى قيمة، والسلوك إلى مواطن يشارك في بناء وطنه ويحافظ على مكتسباته.
وفي أعلى الصف، تتوسط صورة جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- وإلى جوارها صورة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-. صورتان تختصران في نظر الطلبة حكاية وطن؛ وامتداد النهضة العمانية العظيمة، وبناء متواصل من أجل هذه الأرض الغالية، ووفاء لماضٍ أسس للحاضر، وقيادة تمضي بعُمان نحو المستقبل.
حين ينظر الطالب إلى هاتين الصورتين، يستحضر معنى القيادة، ومسيرة الوطن، وقيمة الوفاء، والمسؤولية التي يحملها أبناء عُمان تجاه بلدهم، ومن هنا تتشكل في وجدان الطالب صورة الوطن بوصفه تاريخًا وحاضرًا ومستقبلًا، وتترسخ لديه قيم الولاء والانتماء والوحدة الوطنية.
فالوطن لا يُبنى بالكلمات وحدها، وإنما بإيمان أبنائه به، والتفافهم حول قيادته، وإخلاصهم في العمل من أجل رفعته، وحين يتعلم الطالب أن عُمان تمضي إلى الأمام بوحدة أبنائها، يصبح الولاء للوطن ممارسةً ومسؤوليةً، لا مجرد شعار يُردد داخل الصف.
الكتاب المدرسي ليس سوى أداة من أدوات المنهج لنقل الخبرات والمعارف المباشرة وغير المباشرة إلى الطلبة، لكنه في حقيقته يتجاوز كونه صفحات مكتوبة ومعلومات محفوظة؛ فهو يحمل جانبًا من ثقافة الوطن، ويقدم المعرفة، وينمي المهارات، ويغرس القيم، فالعقول لا تكتمل بالمعرفة وحدها، كما أن المهارة لا تنفصل عن القيم التي توجه استخدامها، وحين تمتزج المعرفة بالفكر، والمهارة بالقيمة، يبدأ التعليم في صناعة إنسان قادر على الفهم والممارسة واتخاذ الموقف.
ولهذا فإن لحظة اجتماع الطلبة في مجموعات للحوار والنقاش، أو لمعالجة موقف محير، أو حل مشكلة علمية، أو تنفيذ نشاط صفي، قد تكون أكثر تأثيرًا في بناء المواطنة من كثير مما يُكتب على السبورة؛ ففي تلك المساحة يتعلم الطالب كيف يستمع إلى الآخر ويحترم رأيه، وكيف يعبر عن فكرته، ويدافع عنها بالحجة، ويتقبل الاختلاف، ويتعاون مع زملائه، ويتحمل المسؤولية، ويمارس القيادة والنقد والتفكير، ومن هنا تتجلى إحدى أهم مراحل التربية المواطنية؛ فالمواطنة لا تُلقّن في درس، وإنما تُمارس في الحياة المدرسية اليومية.
ولا تتوقف التربية المواطنية عند حدود الصف، بل تمتد إلى البيئة المدرسية بكل ما تزخر به من أنشطة وجماعات طلابية ومبادرات وأعمال تعاونية، ففي هذه المساحات تتشكل شخصية الطالب بصورة أكثر اتساعًا؛ يتعلم القيادة، وتحمل المسؤولية، والعمل مع الآخرين، ويمارس الحوار واتخاذ القرار، ويدرك معنى المشاركة والديمقراطية من خلال الممارسة لا من خلال التعريفات النظرية.
وحين يجتمع الطلبة لإنجاز نشاط لا يرتبط بدرجات أو باختبار، يصبح التعلم أكثر حيوية وفاعلية؛ لأن الدافع يأتي من الداخل، وتظهر روح المبادرة والتنافس الإيجابي، وتتحول الأفكار الصغيرة إلى مشروعات للإبداع والابتكار، وفي هذه اللحظات تحديدًا تبدأ ملامح المواطن الفاعل في الظهور؛ مواطن لا ينتظر من يطلب منه العطاء، بل يبادر إليه، ولا يرى المدرسة مكانًا للتعلم فقط، وإنما مساحة يمارس فيها مسؤوليته تجاه مجتمعه ووطنه، ومن هنا تنمو قيم الانتماء والولاء والعطاء لعُمان، وتتحول المواطنة من مفهوم يُدرّس إلى سلوك يُمارس في اليوم المدرسي.
إن التربية المواطنية ليست مادة دراسية تضاف إلى جدول الحصص، ولا مجموعة من المفاهيم التي يحفظها الطالب ثم يستعيدها في ورقة الاختبار؛ إنها بناء متدرج للإنسان وقيمه وسلوكه وطريقة تعامله مع نفسه ومع الآخرين ومع وطنه، ولذلك فإن غرس المواطنة لا يحدث في حصة مخصصة، بقدر ما يحدث في تفاصيل الحياة المدرسية: في طريقة الحوار، واحترام الرأي، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية، والالتزام بالنظام، والمبادرة والعطاء، وكلما كان فهمنا لمعنى المواطنة أعمق، أصبحنا أكثر قدرة على تحويلها من مفهوم نظري إلى الممارسة الحقيقية التي يعيشها الطالب داخل المدرسة وخارجها.
وتزداد أهمية التربية المواطنية اليوم مع ما يشهده المجتمع من تحولات متسارعة وتحديات اجتماعية وفكرية وثقافية لا يمكن للمدرسة أن تقف بعيدًا عنها، فالمدرسة ليست مجرد مؤسسة لإنتاج المتعلمين القادرين على حل المعادلات وإجراء التجارب العلمية، وإنما هي المؤسسة التي تسهم في بناء الإنسان الذي سيستخدم هذه المعرفة في خدمة مجتمعه ووطنه. وإذا لم نبدأ من المدرسة في بناء الوعي والمسؤولية والانتماء واحترام الآخر وقبول الاختلاف والمشاركة الإيجابية، فقد نجد أنفسنا غدًا أمام مشكلات أكبر وأكثر كلفة في معالجتها، ولذلك فإن بناء الإنسان ينبغي أن يسبق بناء المعرفة، أو على الأقل أن يسيرا معًا؛ فالمعادلة الرياضية والتجربة العلمية تكتسبان قيمتهما الحقيقية حين تكونان في يد المواطن الواعي، المسؤول، والقادر على توظيف ما تعلمه من أجل نفسه ووطنه.
لماذا التربية المواطنية ليست كتابًا أو حصة دراسية؟
لأن المواطنة ليست معرفةً يختبر فيها الطالب، وإنما الشخصيةٌ التي تُبنى والسلوكٌ الذي يُمارس، لا يمكن أن نعلّم الطالب المواطنة في حصة واحدة ثم نطلب منه أن يقوم في بقية يومه المدرسي؛ فهو يتعلمها عندما يشعر أن صوته مسموع، وأن رأيه محترم، وأن عليه مسؤولية تجاه زملائه ومدرسته ومجتمعه، يتعلمها في الحوار، والعمل الجماعي، والمبادرة، والاختلاف، وتحمل المسؤولية، واحترام النظام، والعطاء دون انتظار مكافأة.
لهذا فإن التربية المواطنية ينبغي أن تكون روح المدرسة لا مادةً في جدولها؛ حاضرة في طريقة إدارة المدرسة، وفي علاقة المعلم بطلبته، وفي الأنشطة، وفي القرارات، وفي البيئة الصفية، وفي كل موقف يتعلم فيه الطالب كيف يكون إنسانًا مسؤولًا وفاعلًا، فالكتاب قد يعرّف الطالب بالمواطنة، والحصة قد تشرح له مفاهيمها، لكن الممارسة وحدها هي التي تجعلها جزءًا من شخصيته، ومن هنا تبدأ المدرسة الحقيقية في بناء المواطن، لا حين يتحدث الطالب عن الوطن، بل حين يتعلم كيف يكون نافعًا له.





