عُمان والصين: من ذاكرة البحر إلى آفاق الشراكة

ثمة زيارات تُقرأ في نشرات الأخبار، وثمة زيارات تُقرأ في كتب التاريخ. وتنتمي زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – إلى جمهورية الصين الشعبية في مطلع نوفمبر المجيد إلى النوع الثاني باقتدار. فهذه أول زيارة دولة يقوم بها سلطان عُمان إلى الصين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية رسميًا قبل ثمانية وأربعين عامًا.
وإن كان يُنظر إلى هذه الزيارة على أنها الأولى بمفاهيم التاريخ المعاصر، فهي بالنسبة إلى التاريخ عودة إلى طريق شقّه تاجر عُماني من (صُحار) قبل نحو ثلاثة عشر قرنًا، وأعاد إحياءهشراع عُماني في مطلع الثمانينات، ويستأنفه اليوم سلطان يحمل في سيرته الشخصية خبرة الدبلوماسي وحسّ حارس التراث.
لم يكن العُمانيون يومًا شعبًا يرضخ لصعوبات البيئة التي يعيش فيها، بل نجحوا في صناعة حضارة من أرض شبه جافة، وساحل طويل يحمل مخاطر عديدة في طياته. لكن العُماني لم يُدر ظهره للبحر يومًا، بل استفاد من موقع بلده عند ملتقى بحر العرب والمحيط الهندي، فجعل من بلده منذ القرون الأولى للإسلام حلقة لا غنى عنها فيما يُعرف باسم «طريق الحرير البحري»، وتأتي (صُحار) دائمًا في مقدمة الموانئ التي انطلقت منها الرحلات الطويلة نحو الهند والصين منذ العصور الإسلامية. ويقف أبو عبيدة عبدالله بن القاسم البسيوي العُماني في قلب هذه الحكاية، فقد سافر إلى الصين وتاجر بالصبر والمُرّ خلال القرن الثامن الميلادي، وتؤرّخ المصادر العُمانية والصينية لبداية العلاقة بين عُمان والصين بوصول أبي عبيدة إلى كانتون (قوانغتشو) قادمًامن (صُحار) نحو عام 750م، مما يمنح العلاقة بين البلدين عمقًايصل إلى نحو ثلاثة عشر قرنًا. وإلى جانب أبي عبيدة، ذُكرتاجر عُماني اسمه النضر بن ميمون، ويبدو أنه سافر من البصرة إلى الصين في حدود القرنين الثامن والتاسع الميلاديين. وهكذا جعل البحر من نفسه جسرًا بين إقليمين حضاريين، أحدهما في شرق آسيا والآخر في الغرب، وكانت السفن تحمل اللبان الظفاري والمُرّ والخيول والتمور شرقًا، وتعود بالحرير والخزف والتوابل غربًا. ومع هذه السلع انتقلت الخبرة الملاحية، وفنون بناء السفن، وأخلاق التاجر الذي يعرف أن الثقة رأس ماله الأول، وبهذه الأخلاق حمل العُمانيون الإسلام إلى أقصى شرق القارة الآسيوية.
ولأن تاريخ عُمان البحري حافل بالخبرات، فقد أطلق السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – مشروع السفينة (صُحار)والتي أبحرت في 23 نوفمبر 1980م، منطلقة من مسقط، لتعبرعلى خطى أسلافها الطريق البحري إلى كانتون في الصين. ولم يأتِ اختيار اسم (صُحار) عشوائيًا؛ بل لأن (صُحار) هي موطن السندباد في الأساطير العربية، و(صُحار) هي «قصبة عُمان، ودهليز الصين، وخزانة الشرق والعراق، ومغوثة اليمن» كما وصفها المقدسي، فانطلقت عابرة بحر العرب إلى الهند وسريلانكا وسومطرة ومضيق ملقا حتى وصولها إلى بحر الصين، بأشرعة تقليدية وبحوالي 400 ميل من حبال ألياف جوز الهند لتثبيت السفينة دون مسامير، وقد بلغ طول السفينة نحو 26.5 متر ، لتصل بعد رحلة امتدت ستة آلاف ميل بحري إلى كانتون في العاشر من يوليو 1981م. ولم تكن هذه الرحلة مغامرة رياضية ولا استعراضًا تراثيًا، بل كانت في جوهرها بيانًا دبلوماسيًا موشحًابالتاريخ. فبعد عامين من إقامة العلاقات الدبلوماسية بين عُمانوالصين في 25 مايو 1978م، وبعد شهر من توقيع الاتفاق التجاري في بكين في 14 أكتوبر 1980م، أرسلت عُمان إلىالصين رسالة تقول: لسنا طارئين على تاريخكم، بل نحن شركاء قدامى نعود إلى موعد قديم.
وهذا ما حدث بالفعل، فقد أثبتت الرحلة صدق المعارف الملاحية العربية القديمة، فالطاقم اعتمد على الملاحة بالنجوم وأجهزة أحمد بن ماجد العُماني. وفي عام 1995م، شُيّد في قوانغتشو نصب تذكاري للسفينة (صُحار) بتمويل عُماني، وفي يناير 2014م اكتمل مشروع إعادة تأهيله. وهكذا أسست (صُحار) لما يمكن تسميته بـ«دبلوماسية الذاكرة»، أي أن تُبنى العلاقات الحديثة على رصيد تاريخي مشترك، فتغدو المصالح الاقتصادية امتدادًا لصداقة قديمة لا صفقة عابرة، وهذا ما ميّز النهج العُماني في عهد السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه –.
واليوم لا يذهب السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – إلى بكين دون مساهمة في التاريخ الدبلوماسي المشترك بين عُمانوالصين، فمن يذهب إلى الصين اليوم رجل عرف الملف من الداخل. فمنذ عمله في وزارة الخارجية وصولًا إلى توليه حقيبة وزارة التراث، أي من عام 1986 إلى عام 2020م، كان السلطان متصلًا مباشرة بخطوات هذه العلاقة، فحضوره في وزارة الخارجية كان موازيًا لمرحلة ترسيخ العلاقات الدبلوماسية بين عُمان والصين، وحينما تولى حقيبة وزارة التراث والثقافة نظمت الوزارة تحت رعايته عام 2016م ندوة السفينة (صُحار) احتفاءًبالذكرى الـ35 للرحلة، وتأتي هذه الزيارة الأولى تتويجًا لهذا المسار، لتنقل العلاقة من مستوى المراسلات والوفود إلى مستوى اللقاء المباشر بين قادة البلدين.
وتكتسب هذه الزيارة وزنها من توقيتها بقدر ما تكتسبه من رمزيتها، ويمكننا النظر إليها من هذه الزاوية في ضوء ثلاثةاعتبارات مهمة، هي:
أولًا/ التوازن في زمن الاستقطاب: اللافت أن هذه الزيارة تأتي بعد أيام من زيارة الدولة التي قام بها جلالته إلى المملكة المتحدة في الفترة من 20 إلى 22 أكتوبر 2026م، وفي ظرف إقليمي مضطرب تشهده المنطقة منذ فبراير الماضي. واللافت أن يقصد سلطان عُمان لندن ثم بكين في غضون أسبوعين، فتلك ترجمة عملية لمدرسة دبلوماسية عُمانية راسخة تؤكد الانفتاح على القوى كافة دون الارتهان لأي منها، خاصة أن دور عُمان المتنامي في دعم الحوار والدور الدولي المتنامي للصين يوفران معًا أرضية لتعزيز الاستقرار الإقليمي وأمن الممرات البحرية.
ثانيًا/ يكشف تشكيل الوفد الرسمي المرافق لجلالته عن طبيعة الملفات التي ستكون محل الاهتمام خلال هذه الزيارة. ولعل أهم ما قد يتصدر أولويات التعاون بين البلدين من وجهة نظرنا هو مضاعفة الاستثمارات المتبادلة بين البلدين، والشراكة في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، ومشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والموانئ والخدمات اللوجستية، وهي استكمال لخطة تنويع مصادر الدخل التي تراهن عليها رؤية عُمان 2040 وترتكز عليها.
ثالثًا/ الانتقال من المستوى الوزاري إلى مستوى القمة: خلال الـ48 عامًا ظلت العلاقة العُمانية الصينية تُدار عبر الوزراء واللجان والمراسلات، واليوم يمنح اللقاء المباشر بين رأسي الدولتين هذه الشراكة الاستراتيجية غطاءً دبلوماسيًا أعلى، ويُتوقع أن يُترجم ذلك إلى اتفاقيات استثمارية كبرى على المستويات كافة.
ختامًا، حين رست السفينة (صُحار) في كانتون عام 1981م، كانت تقول للصين إن عُمان تتذكر. واليوم، حين يحطّ السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – في بكين، تقول الصين لعُمانإنها لا تكتفي بالتذكر، بل تبني على الذاكرة مستقبلًا، عبر شريط من التاريخ يمتد من أبي عبيدة الصغير إلى السلطان الذي يحمل اليوم ملفات الطاقة الخضراء والذكاء الاصطناعي إلى بكين، مما يؤكد أن التجربة التاريخية العُمانية ما زالت تعكس شخصية العُماني الذي مدّ يده إلى العالم منذ القرن الهجري الأول بثقة التاجر، وحكمة البحّار، ورصانة الدبلوماسي، وأن هذا الإرث البحري يجعل عُمان شريكًا أصيلًا لا طارئًا في طريق الحرير الجديد.




