ثلاثية الزمن في خطابي الملك والسلطان في قلعة وندسور

استقطبت “زيارة دولة” التاريخية إلى المملكة المتحدة من سلطان عمان المعظم هيثم بن طارق تداولًا إعلاميًا واسع النطاق، سواء في مؤسسات الإعلام الرسمية أو قنوات التواصل الافتراضي، وبالإضافة إلى مظاهر الاحتفاء الملكي بمقدم السلطان، فإن الخطابين اللذَين ألقاهما الملك تشارلز والسلطان هيثم، لقيا بدورهما نقاشًا وتحليلًا مستفيضَين.
ما استحوذ على انتباهي حين الإنصات إلى الخطابين هو حضور الأبعاد الزمنية الثلاثة: الماضي، والحاضر، والمستقبل، في كلا الخطابين، إضافةً إلى الوحدة الموضوعية والتناغم البلاغي والسياسي في محتوى الخطابين إلى حدٍ متناظر ونادر

حيث لم يقف الخطابان عند حدود البروتوكول التقليدي، بل اشتركا في استدعاء الأبعاد الزمنية نفسها ببراعة متناهية. فكما ارتكز جلالة السلطان على معاهدة عام 1800م كمرجعية تاريخية راسخة، أشاد الملك تشارلز بالرمزية الاستعارية ذاتها لهذه المعاهدة واستمرار دوران الشمس والقمر في فلك العلاقة. وفي الحاضر، يلتقي الخطابان عند الإشادة بالحكمة والدبلوماسية العمانية التي تؤثر الإصغاء والحوار على لغة الجيوش والصراعات، وصولاً إلى استشراف المستقبل عبر تسليم الراية للأجيال القادمة وإسناد رعاية الجمعية البريطانية العمانية مناصفة إلى سمو أمير ويلز وسمو السيد ذي يزن بن هيثم. إن هذا التقاطع العميق، واستخدام مرجعيات وقيم استراتيجية متطابقة، كالاهتمام بالشباب، والبيئة، والتسامح الإنساني، يعكس دبلوماسية التنسيق المسبق رفيع المستوى، ويؤكد أن العرشَين يتحدثان بلغة مشتركة واحدة تنبع من فهم استراتيجي متطابق لقيمة هذه الشراكة التاريخية وآفاقها المستقبلية.

ويمكنني إيجاز سيميائية الزمن وحضور أبعاده في الخطابين على الوجه الآتي:
أولاً: حضور الماضي (المرجعية التأسيسية للعلاقة المتينة بين البلدين):
​يُشكل الماضي في الخطابَين الأرضية الصلبة والأصل التاريخي الذي تُبنى عليه العلاقات وتُقاس عليه أصالتها، ولقد تناول الخطابان:

​التاريخ البحري العريق: استحضر جلالته مئات السنين من الإبحار واللقاءات التاريخية بين البحارة العمانيين والسفن البريطانية في عرض البحار، مستعرضاً الهوية البحرية والتجارية التاريخية لسلطنة عمان.

​الوثيقة الرسمية والمعاهدة التاريخية: استشهد الخطاب بنص معاهدة عام 1800م البارزة عبر استحضار النص التاريخي للمعاهدة: تظل الصداقة بين الدولتين ثابتة مدى الدهر، إلى أن تقضي الشمس والقمر مسيرة دورتهما” وهذا ما يمنح العلاقة شرعية تاريخية وثباتاً لا يتأثر بعد مئات الأعوام.

​الذاكرة العسكرية والأكاديمية المشتركة: وذلك بتعاقب أجيال القوات المسلحة العمانية والبريطانية على الخدمة والتدريب معاً على مر العقود، وشغل الضباط البريطانيين وظائف خدمة في عمان.

​الرصيد والتجربة الشخصية: تجلى الماضي أيضاً في تجربة جلالته الشخصية في ريعان الشباب ببريطانيا واعتياده على التوقيت الإنجليزي، مما أضفى طابعاً إنسانياً دافئاً يربط الذاكرة الشخصية بالذاكرة الوطنية.

ثانياً: حضور الحاضر (الشراكة المستديمة بين البلدين والنهج الاستقلالي المتزن والرصين)
​يمثل الحاضر في الكلمة تجسيدًا عمليًا لهذه الروابط التاريخية، مع استعراض واضح للواقع السياسـي والاقتصادي الراهن من خلال:

​تمتين العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية: وتُترجم عبر الأرقام والشراكات الواقعية، حيث تظل بريطانيا من أكبر شركاء عمان التجاريين، بل هي أكبر مساهم منفرد في الاستثمار الأجنبي المباشر.

​الموقف السياسـي الراهن والدبلوماسية الحكيمة: يتجلى الحاضر في التعامل مع اضطرابات المنطقة الحالية؛ إذ أكد جلالته على أن سلطنة عمان تنتهج اليوم مساراً مغايراً وطريقاً مستقلاً، قائماً على مبادئ الإصغاء، والحوار، والدبلوماسية الهادئة لا لغة الجيوش والحروب. وهو الأمر الذي أشار إليه الملك تشارلز في خطابه كذلك.

​التواصل التعليمي والثقافي الحالي: عبر تسليط الضوء على حركة الطلاب العمانيين في الجامعات البريطانية حاليًا، ودورهم في بناء الجسر الثقافي وتعميق الصلات مع الثقافة الإنجليزية.

ثالثاً: حضور المستقبل (الاستدامة والرهان على الأجيال)
​لم يغفل الخطابان استشراف المستقبل ورسم معالمه، بل جعل الأجيال القادمة هي الضامن الحقيقي لاستمرار هذه الشراكة، وذلك من خلال:

​إعلان رعاية الجمعية العمانية البريطانية: إذ يمثل إعلان انضمام صاحب السمو الملكي أمير ويلز ليتولى رعاية الجمعية العمانية البريطانية إلى جانب السيد ذي يزن خطوة مستقبلية بالغة الأهمية تسلم راية التواصل والقيادة للجيل القادم من البلدين.

​بناء أجيال المستقبل: التأكيد على أن الشباب والطلاب العمانيين الذين يدرسون في بريطانيا يسهمون في بناء المستقبل الوطني والتواصل الإنساني.

​الاستدامة والمسؤولية البيئية: الإشارة إلى العناية بالشباب وحماية البيئة وحوار الأديان كأولويات ومبادئ نيرة تُوجه سياسات البلدين نحو الأجيال المقبلة والمستقبل العالمـي.

​أبدية العلاقة واستمرارها: واتضحت في الدعاء والاستبشار بأن تكون علاقة الصداقة بين البلدين كـصداقة الشمس المشرقة والقمر المنير…..، وهو إحالة مستقبلية ممتدة بلا نهاية، تماماً كما نصت عليه معاهدة الماضي.

ولأن سيميائية الزمن هي الطبقة الخفية من المعنى؛ أي كيف يستطيع المتحدث أن يجعل من الماضي والحاضر والمستقبل أدوات بلاغية ودبلوماسية تُعبر عن قوة العلاقة ورسوخها، وتمنح النص بُعدًا عميقًا يتجاوز مجرد سرد الأحداث، فإن هذه الدلالات جاءت لتؤكد بشكل خاوٍ من الريب متنزهٍ من الشك، أن الآصرة بين البلدين أقوى من أي وقتٍ مضى، وبأن كل الاحتمالات السياسية المتوقعة ورهانات الحروب المحتملة، تجعلهما حليفين متعاضدين في الجهة التي تؤمن بالحوار أكثر من السلاح، وبالإنصات أكثر من الصراخ.
ومما لا يخفى حتى على الفرد العادي الذي لا يمتلك أدنى أدوات التحليل السياسي والعسكري، فإن في هذا اللقاء رسالة للحلفاء والأعداء معًا:
سلطنة عمان حصن هادئ للحكمة والسلام، لكنها في الوقت ذاته شجرة متجذرة بتحالفات تاريخية صلبة، ذراعها ممدودة للحوار والصداقة مع الجميع، وفي ذات الوقت، جدارها الاستراتيجي عصيٌّ على أي اختراق أو ابتزاز أو استخفاف.

د. أمل الحرملي

كاتب صحفي في مجلة إشراق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *